أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا [النساء: 34] .
يقول القرطبي: دلت هذه الآية على تأديب الرجال نساءهم، فإذا حفظن حقوق الرجال فلا ينبغي أن يسيء الرجل عشرتها .. وأمر الله أن يبدأ النساء بالموعظة أولًا، ثم بالهجران، والهجر في المضاجع هو أن يضاجعها ويوليها ظهره ولا يجامعها، فإن الزوج إذا أعرض عن فراشها فإن كانت محبةً للزوج فذلك يشق عليها فترجع للصلاح، وإن كانت مبغضةً فيظهر النشوز منها فيتبين أن النشوز من قبلها، فإن لم ينجعا ـ أي الموعظة والهجران ـ فالضرب، فإنه هو الذي يصلحها له ويحملها على توفية حقه, والضرب في هذه الآية هو ضرب الأدب غير المبرح، وهو الذي لا يكسر عظمًا ولا يشين جارحةً كاللكزة ونحوها، فإن المقصود منه الصلاح لا غير، فإن أطعن فلا سبيل للزوج للبغي عليها، وفي قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا} إشارة إلى الأزواج بخفض الجناح ولين الجانب؛ أي إن كنتم تقدرون عليهن فتذكروا قدرة الله، فيده بالقدرة فوق كل يد, فلا يستعلي أحد على امرأته. فالله بالمرصاد, فلذلك حسن الاتصاف هنا بالعلو والكبر [1] .
وعَنْ حَكِيمِ بْنِ مُعَاوِيَةَ الْقُشَيْرِيِّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله مَا حَقُّ زَوْجَةِ أَحَدِنَا عَلَيْهِ؟ قَالَ: «أَنْ تُطْعِمَهَا إِذَا طَعِمْتَ، وَتَكْسُوَهَا إِذَا اكْتَسَيْتَ، أَوْ اكْتَسَبْتَ، وَلَا تَضْرِبْ الْوَجْهَ، وَلَا تُقَبِّحْ وَلَا تَهْجُرْ إِلَّا فِي الْبَيْتِ، قَالَ
(1) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي، المجلد الثالث، 5/ 169 - 173 بتصرف.