عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي تَعْلِيله «فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاك» أَيْ: وَهُوَ يَكْفِي فِي مُرَاعَاة الْخُشُوع بِذَلِكَ الْوَجْه [1] .
وقد نبه الحافظ ابن حجر في الفتح على ضلال بعض الصوفية حيث حملوا هذا الحديث على مزاعمهم الباطلة، فيقول: «وَأَقْدَمَ بَعْض غُلَاة الصُّوفِيَّة عَلَى تَأْوِيل الْحَدِيث بِغَيْرِ عِلْم فَقَالَ: فِيهِ إِشَارَة إِلَى مَقَام المَحْو وَالْفَنَاء, وَتَقْدِيره فَإِنْ لَمْ تَكُنْ - أَيْ: فَإِنْ لَمْ تَصِرْ - شَيْئًا وَفَنِيت عَنْ نَفْسك حَتَّى كَأَنَّك لَيْسَ بِمَوْجُودٍ فَإِنَّك حِينَئِذٍ تَرَاهُ. وَغَفَلَ قَائِل هَذَا - لِلْجَهْلِ بِالْعَرَبِيَّةِ - عَنْ أَنَّهُ لَوْ كَانَ المُرَاد مَا زَعَمَ لَكَانَ قَوْله: «تَرَاهُ» مَحْذُوف الْأَلِف ; لِأَنَّهُ يَصِير مَجْزُومًا, لِكَوْنِهِ عَلَى زَعْمه جَوَاب الشَّرْط, وَلَمْ يَرِد فِي شَيْء مِنْ طُرُق هَذَا الْحَدِيث بِحَذْفِ الْأَلِف, وَمَن ادَّعَى أَنَّ إِثْبَاتهَا فِي الْفِعْل المَجْزُوم عَلَى خِلَاف الْقِيَاس فَلَا يُصَار إِلَيْهِ إِذْ لَا ضَرُورَة هُنَا. وَأَيْضًا فَلَوْ كَانَ مَا اِدَّعَاهُ صَحِيحًا لَكَانَ قَوْله «فَإِنَّهُ يَرَاك» ضَائِعًا لِأَنَّهُ لَا ارْتِبَاط لَهُ بِمَا قَبْله. وَمِمَّا يُفْسِد تَأْوِيله رِوَايَة كَهْمَس فَإِنَّ لَفْظهَا «فَإِنَّك إِنْ لَا تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاك» وَكَذَلِكَ فِي رِوَايَة سُلَيْمَان التَّيْمِيِّ, فَسَلَّطَ النَّفْي عَلَى الرُّؤْيَة لَا عَلَى الْكَوْن الَّذِي حَمَلَ عَلَى ارْتِكَاب التَّأْوِيل المَذْكُور, وَفِي رِوَايَة أَبِي فَرْوَة «فَإِنْ لَمْ تَرَهُ فَإِنَّهُ يَرَاك» وَنَحْوه فِي حَدِيث أَنَس
(1) شرح سنن النسائي للسندي، المجلد الرابع، 8/ 99.