فهرس الكتاب

الصفحة 94 من 658

هذا أصل عظيم قد قرره شيخ الإسلام رحمه الله تعالى، وقد وقع بسبب الجهل به، أو إغفاله خطأ كبير.

يقول -رحمه الله-:"فإن كثيرًا ممن تكلم في مسائل الإيمان والكفر -لتكفير أهل الأهواء- لم يلحظوا هذا الباب، ولم يميزوا بين الحكم الظاهر والباطن، مع أن الفرق بين هذا وهذا ثابت بالنصوص المتواترة، والإجماع المعلوم، بل هو معلوم بالاضطرار من دين الإسلام، ومن تدبر هذا علم أن كثيرًا من أهل الأهواء والبدع قد يكون مؤمنًا مخطئًا جاهلًا ضالًّا عن بعض ما جاء به الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وقد يكون منافقًا زنديقًا يظهر خلاف ما يبطن" [1] .

ويزيد المصنف هذه المسألة توضيحًا فيقول:"وبيان هذا الموضع مما يزيل الشبهة، فإن كثيرًا من الفقهاء يظن أن من قيل هو كافر، فإنه يجب أن تجري عليه أحكام المرتد ردة ظاهرة، فلا يرث لا يورث، ولا يناكح، حتى أجروا هذه الأحكام على من كفروه بالتأويل من أهل البدع، وليس الأمر كذلك، فإنه قد ثبت أن الناس كانوا ثلاثة أصناف: مؤمن، وكافر مظهر للكفر، ومنافق مظهر للإسلام، مبطن للكفر، وكان في المنافقين من يعلمه الناس بعلامات ودلالات، بل من لا يشكون في نفاقه، ومن نزل القرآن ببيان نفاقه -كابن أبي وأمثاله- ومع هذا فلما مات هؤلاء ورثهم ورثتهم المسلمون، وكان إذا مات لهم ميت أتوهم ميراثه، وكانت تعصم دماؤهم حتى تقوم البينة الشرعية على أحدهم بما يوجب عقوبته" [2] .

وهكذا استدل المصنف -رحمه الله- على وجوب التفريق بين الحكم الظاهر والحكم الباطن، بما سبق أن ذكره من أحكام المنافقين، ومعاملته - صلى الله عليه وسلم - لهم، فهم وإن كانوا في الآخرة في الدرك الأسفل من النار بسبب كفرهم ونفاقهم، إلا إن دماءهم وأموالهم معصومة بما أظهروه من الإسلام.

(1) شرح حديث جبريل (304) .

(2) المصدر نفسه (568) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت