29 > جلس الإمام المزيّ في أول درس له في مدرسة الحديث، فلم يجلس إليه كبير، وأعرضوا عنه، وهو الذي كان من أحسن الناس خلقًا، وأبعدهم عن المخاصمة، فلم يكن له شغل إلا بالحديث وعلومه، حتى عاب عليه الصفدي أنه لا يعرف كبار الشعراء ويعرف المجهولين من رجال الحديث، وعادى الكثيرون ابن تيمية وحاربوه حتى سعوا في قتله وسجنه، ولم يسكت لهم بل رد وقسى في العبارة كما قال الذهبي، وقال: لو ترفق بهم لاجتمعت القلوب عليه. هيهات يا ذهبي! لم يكن نصيب المعرض بأحسن من نصيب المقاتل، فكلاهما في الهم شرق، فحيث أنت فلك من البلاء نصيب. إن سكت فستعادى، وكذلك إن تكلمت، قلها وتوكل على الله.
29 > كنت أعد العدة لأشرح مواضع من كتاب المحن لأبي العرب محمد بن أحمد التميمي المتوفى سنة 333 للهجرة النبوية الشريفة، وعجبت أن هذا وقع لي في يوم تنفيذ الطاغية عبد الناصر لإعدام الأستاذ الكبير سيد قطب رجمه الله تعالى، فكان في هذا وصل الأول بالآخر في سلسة الابتلاء التي حمت ونصرت هذا الدين.
وسلسلة المحنة بكل أنواعها هي عمدة أهل الحق، يتسلط بها السفلة على الكبار، ويحكم من يموت ذكره في الخلق على من يرفع الله له الذكر بالصبر واليقين وفي أزمانهم لا يعرف هؤلاء إلا بكونهم أقرانًا لمعاصريهم، حتى إذا انقضت السنون، وارتفع ذكرهم وخمل ذكر خصومهم، علم الناس فضلهم وتقدمهم الذي يستحقونه بثباتهم، وتحريهم الحق وصبرهم على الطريق.
اقرأ كتاب المحن لأبي العرب مع تقدم صاحبه تاريخًا، تجد بين يديك كيف مضى أهل هذا الدين صبرًا، قم اجمع بعد ذلك من كتب الرجال والتاريخ سير أسلافك الماضين.
في حياتهم مضوا وحدهم، وبعد ذلك كان لهم الذكر الحسن (وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآَخِرِينَ) ، وإياك أن تظن أن ما هم من التقدير كانوا عليه في حياتهم،