هذا هو كلام هؤلاء لا غير؛ فالسب عندهم كفر لا لأنه كفر بذاته، ولكن بسبب كونه دليلًا على عدم الاعتقاد القلبي. فذهب ابن حزم إلى هذا اللفظ الشنيع في نسبة ما قاله لهم، وقد أخطأ، فحين يفهم هذا يزول الإشكال في هذا الباب، فمن لم يكفر ساب الله تعالى فهو كافر، هذا من غير الدخول في العوارض، مثل الإكراه وعدم القصد، فهذه أخرى. أما أهل السنة فيقولون: إن ساب الله تعالى كافر ظاهرًا وباطنًا؛ فالظاهر بيّن أنها كلمة كفر لقوله تعالى: (وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ) ، وأما الباطن فلعدم تعظيم الله تعالى، وهذا عمل قلبي لا علاقة له بالاعتقاد كما يسميه المتكلمون، وإن جاز تسميته بالاعتقاد لغة .. فعند أهل السنة لا يكفر المرء ظاهرًا إلا إذا كفر باطنًا، وحين يتخلف الباطن كوجود الإكراه يتخلف الحكم على الفاعل؛ فمن سب الله كفر، ومن لم يكفره بحجة أنه لم يرد الكفر (لا اللفظ) فقد كفر، وكذلك من احتج على عدم التكفير أنه مؤمن بالباطن فحكمه الكفر، وبذلك صحت القاعدة واضطردت، وسلم لنا عدم تكفير الأشاعرة هنا، فإنهم مسلمون.
وأما عدم تكفير الطواغيت الحاكمين بغير الشريعة، فبسبب شبهة: كفر دون كفر عند الناس، ولتلبيس المشايخ على العوام وأشباه الطلبة، فالعذر قائم.
فأجاب الشيخ: هذا موضوع يتعلق بإقامة الحجة، وهو من أعقد ما يدخل في هذا الباب لاتساعه علمًا وقدرًا، ولتنوع مراتب الشرع، وتنوع حال الناس كذلك. فالشرع ليس مرتبة واحدة، وأقصد هاهنا من جهة قوة أو خفاء الدلالة لا من جهة الحكم المستفاد من النص ومرتبته، وحال الناس كذلك مختلف، ثم له تعلق بانتشار العلم وخفائه في الحال. كل ذلك يجعل إقامة الحجة مختلفة من حال إلى حال.