عبادة: (أن تعبد الله كأنك تراه) ، ومقالة عبد الله بن عمر لعبد الله بن الزبير عن أمره في الطواف:"نتخايل الله بين أعيننا".
وأعظم ما يحصل الفكر هو القرآن، وأعظم مواطن تنزل معانيه على قلب العبد أن يقرأه في الصلاة. ولذلك كانت أعظم العبادات: قراءة القرآن في الصلاة، والعبد في شأنه كله من أعمال الدين كالدعوة والجهاد وطلب العلم أو نشره يحتاج إلى هذا المدد من التنزل الرباني، فمن أوائل ما قاله الله لرسوله: (يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا) إلى (وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا) وذلك استعدادًا (إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلا ثَقِيلا) وتقوية لعمله في النهار (إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا) والسورة افتتحت بطلب قيام الليل، وختمت بالاستغفار (وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) فهذا شأن كل عبادة، ومن ذلك: (كَانُوا قَلِيلا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ) ثم قال جل في علاه وتباركت أسماؤه: (وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ) وقيام الداعي والعالم والمجاهد بهذا الأمر يجعل شأنه شأن العابد الذي يبنيه القرآن، ثم بهذا تتحقق شخصية الصحابي الذي اهتدى بهذا الهدي العظيم، وتحققت على يديه جليل الفعال والمقال.
من غير هدي القرآن سنعيش في تيه الآراء والنظريات، مع نور القرآن في الصلاة سنكتشف حشرات وهوام وأمراض قلوبنا، وبدونه سنعيش الظلمة، وسيقع علينا (كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ) (وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا) .
لقد نفر الصوفية من القرآن، حتى قال الغزالي في بعض مصنفاته: إن قراءة القرآن تمنع الجمعية، وذلك ترغيبًا منه للسالك الاقتصار على الذكر المفرد. وترى المعاصرين اليوم في إعراض عنه بحجة اهتمامهم بالفكر وقراءة منتج الغير لتزيينه بما يلائمه من الآيات التي تمرر باطل هذا المنتج والفكر الوافد، حتى لتجد من البعض النفرة من التعلق بالقرآن، وقد قال قائلهم: أقوم من الليل لا لأقرأ القرآن، ولكن لأقرأ لفلان وعلان. القرآن أولًا لو كانوا يعلمون.