المطلب الأول: صفاته
إن بهاء طاهر يتصف بأنه إنسان بسيط، تتجلى فيه روح البساطة. هو رجل نحيل متوسط القامة، أبيض البشرة، عقله لا يتوقف أبدا عن التفكير. هو شخص متواضع ومتماسك، حذرٌ شكاك، متأنق للغاية وقد يظهر هذا في كتاباته. إنه شخص قلق حزين، يطارد الحزن في حياته. على أننا نستطيع أن نرى تجليات حزنه الدائم في أعماله القصصية والروائية. ولنقرأ قطعة حوار في قصة"بالأمس حلمت بكَ"، في إحدى لقاءات شخصية الراوي المشارك، بطل القصة، مع آن ماري:
-ماذا تريد؟
-ما أريده مستحيل.
-ما هو؟
-أن يكون العالم غير ما هو، والناس غير ما هم، قلت لك ما عندي أفكار ولكن
عندي أحلام مستحيلة. [1]
إن المتأمل لهذا المقتطف يلاحظ حزن الشخصية وقلقها، وأنها تبحث عن شيء مهم له علاقة وطيدة بالإنسانية وبحالها البشع المؤسف. فالإنسان وما يجري ببيئته هو الذي يهم بطل قصة"بالأمس حلمت بكَ"الذي لم يسميه بهاء طاهر. على أن الكاتب، كما يبدو للباحث، يستخدم هذه الشخصية كي يبوح بآرائه وهمومه ويعبر عن مشاعره، مع أنه، كماسيظهر أثناء تحليل قصص مجموعة"الخطوبة"، لا يستخدم الشخصية كمجرد آلة نقل المشاعر والأفكار والأحاسيس، فهو يعطيها حرية التعبير عن مشاعرها وآلامها وأفكارها التي من الممكن أن تختلف مع آلامه وأفكاره، إذ إنها شخصية مأخوذة من الواقع الذي عاشه الكاتب، إذن فلا يتدخل في شؤونها.
ولعل موت بعض أفراد أسرته موتا جماعيا سنة 1942 م، وموت أبيه لما كان ابن السابع عشر من عمره، لهما يد في هذا الحزن الدائم الذي يطارد القاص. كما أن بجانب بطل قصة"بالأمس حلمت بكَ"نجد بعض الشخصيات الأخرى في سائر المجموعات التي تنطبع بهذا الطابع، ومنها على سبيل المثال شخصية فريد بك في قصة"أنا الملك جئت"في مجموعة التي تحمل العنوان نفسه. ولعل هذا الحزن العميق المستمر هو الذي جرّه إلى أن يعتزل المجتمع، ويكتفي ببعض أصدقائه
(1) بهاء طاهر، بالأمس حلمت بكَ، المصدر السابق، ص، 36.