كما أنّ هناك بعض العبارات يطلقها بعض من تأثّر بالإرجاء، و من هذه العبارات: هذا الفعل ليس كفرًا لكنّه يدلُّ على الكفر، أو علامة على الكفر [1] . قال [2] الإمام إبن حزم: وأمّا قولهم - يعني الجهميّة والأشاعرة المرجئة - إِنَّ إخبار الله تعالى بأَنَّ هؤلاء كلّهم كفَّارٌ دليلٌ على أَنَّ في قلوبهم كفرًا وأَنَّ شَتْمَ الله تعالى ليس كفرًا ولكنَّه دليلٌ على أَنَّ في القلب كفرًا وإنْ كان كافرًا لم يعرفِ الله تعالى قطٌّ. فهذه منهم دعوى مفتراة لا دليلَ لهم عليها ولا برهان: لا من نصٍ، ولا سنَّةٍ صحيحةٍ، ولا سقيمةٍ، ولا حجَّة من عقلٍ أصلًا، ولا من إجماعٍ، ولا من قياسٍ، ولا من قول أحدٍ من السَّلف قبل اللعين جَهْم بن صفوان وما كان هكذا فهو باطلٌ وإفكٌ وزورٌ، فسقط قولهم هذا من قربٍ ولله الحمد ربِّ العالمين. فكيف والبرهان قائمٌ بإبطال هذه الدَّعوى من القرآن والسُّنن والإجماع والمعقول والحسِّ والمشاهدة الضرورية؟.إنتهى
قال [3] شيخ الإسلام: فهؤلاء القائلون بقول جهم والصَّالحي قد صرَّحوا بأَنَّ سبَّ الله ورسوله والتكلُّم بالتَّثليث وكلّ كلمة من كلام الكفر ليس هو كفرًا في الباطن ولكنَّه دليل في الظَّاهر على الكفر ويجوز مع هذا أَنْ يكون هذا السابُّ الشاتِم في الباطن عارفًا بالله موحدًا له مؤمنًا به فإذا أُقيمَتْ عليهم حجَّةٌ بنصٍّ أو إجماعٍ أَنَّ هذا كافرٌ باطنًا وظاهرًا. قالوا: هذا يقتضي أَنّ ذلك مستلزِمٌ للتَّكذيب الباطن وأَنَّ الإيمان يستلزم عدم ذلك: فيقال لهم: معنا أمران معلومان:
(أحدهما) : معلومٌ بالإضطرار من الدِّين. و (الثاني) : معلوم بالإضطرار من أنفسِنا عند التأمُّل.
أمَّا الأوّل: فإنَّا نعلم أَنَّ من سبَّ الله ورسولَه طوعًا بغير كَرْه، بل من تكلَّم بكلمات الكفر طائعًا غير مُكْرَهٍ، ومن إستهزأ بالله وآياته ورسوله فهو كافرٌ باطنًا وظاهرًا، وإِنَّ من قال: إِنَّ مثل هذا قد يكون في الباطن مؤمنًا بالله وإِنَّما هو كافرٌ في الظَّاهر، فإنَّه قال قولًا معلوم الفساد بالضَّرورة من الدِّين وقد ذكر الله كلماتِ الكفَّار في القرآن وحكم بكفرهم وإستحقاقهم الوعيد بها ولو كانت أقوالهم الكفريَّة بمنزلة شهادةِ الشُّهود عليهم، أو بمنزلة الإقرار الذي يغلط فيه المقِرُّ لم يجعلهم الله من أهل الوعيد بالشهادة التي قد تكون صِدْقًا وقد تكون كَذِبًا، بل كان ينبغي أَنْ لا يعذِّبهم إلاَّ بشرط صِدْق الشَّهادة
(1) - قال الشيخ علوي السقاف: و قد نسب هذا الرأي الشهرستانيّ لبشر المريسيّ من المرجئة فقال: وإلى هذا المذهب ميل ابن الرواندىِّ وبشر المريسيِّ قالا: (الإيمان هو التَّصديق بالقلب واللسان جميعًا والكفر هو الجحود والإنكار، والسجود للشمس والقمر والصنم ليس بكفر في نفسه ولكنه علامة الكفر) 0 انظر:"الملل والنحل" (1/ 144) دار المعرفة. ط1404 هـ.
(2) - الفصل في الملل و النحل (3/ 241)
(3) - مجموع الفتاوى (7/ 557 - 558)