فممّا يدل على ذلك: ما جاء في الكتاب والسنة من إطلاق الإيمان على العمل ممّا يدل دلالة واضحة على أنّ العمل جزء رئيس في الإيمان وأنّه لا يصح بدونه. من أدلّة القرآن:
-قال تعالى:"وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (84) ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بالإثم وَالْعُدْوَانِ وَإِنْ يَاتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ"
هذه الآيات في يهود بني قريضة و بني قينقاع و بني النضير الّذين كانوا يعيشون بالمدينة، حرّم الله عليهم أن يقتتلوا فيما بينهم، أو يخرج بعضهم من بيوت بعض، و إذا وقعوا أسارى أمرهم أن يفدي بعضهم بعضا، فخالفوا النهي عن الإقتتال و الإخراج، و إمتثلوا لأمر الإفداء و ذلك لمّا كانوا يقتتلون في حروب الأوس و الخزرج، قال تعالى:"أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ"و هو الإفداء،"وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ"أي الإقتتال و الإخراج، فعبّر سبحانه عن الأعمال بالإيمان.
قال العلاّمة عبد الرحمن السعدي في تفسيره: وفيها أكبر دليل على أنّ الإيمان يقتضي فعل الأوامر واجتناب النواهي وأنّ فعل المأمورات من الإيمان. إنتهى
-قوله تعالى:"... وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إيمانكُمْ ... (143) "البقرة، فالمقصود بالإيمان في هذه الآية: الصلاة.
قال البخاري في صحيحه في كتاب الإيمان: باب الصلاة من الإيمان، وقول الله تعالى:"وما كان الله ليضيع إيمانكم"يعني صلاتكم عند البيت.
قال الحليمي: أجمع المفسرون على أنّه أراد صلاتكم إلى بيت المقدس، فثبت أنّ الصلاة إيمان، وإذا ثبت ذلك، فكلّ طاعة إيمان إذ لم أعلم فارقًا في هذه التسمية بين الصلاة وسائر العبادات. إنتهى
-قال تعالى:"إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إيمانا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (2) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ (3) أُوْلَئِكَ هُمْ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا ... (4) "الأنفال.
فلم يجعل الله الإيمان حقيقة إلاّ بالعمل و نحو هذه الآية قول الله تعالى:"إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ".
-قال تعالى:"يَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ"النور:47