فالأعمال رحمكم الله تعالى بالجوارح تصديق للإيمان بالقلب و اللسان فمن لم يصدق الإيمان بعمل جوارحه مثل الطهارة والصلاة والزكاة والصيام والحج والجهاد وأشباه هذا ورضي من نفسه بالمعرفة والقول لم يكن مؤمنا ولم تنفعه المعرفة والقول وكان تركه العمل تكذيبا للإيمان وكان العمل بما ذكرناه تصديقا منه لإيمانه وبالله التوفيق ... وقد قال تعالى في كتابه، وبيّن في غير موضع أنّ الإيمان لا يكون إلاّ بعمل، وبيّنه النبيّ صلى الله عليه وسلم، خلاف ما قالت المرجئة الذين لعب بهم الشيطان. إنتهى
وقال [1] شيخ الإسلام: أجمع السلف أنّ الإيمان قول وعمل يزيد وينقص ومعنى ذلك أنّه قول القلب وعمل القلب ثمّ قول اللسان وعمل الجوارح، فأمّا قول القلب فهو التصديق الجازم بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، ويدخل فيه الإيمان بكلّ ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم ...
ثمّ هذا التصديق يتبعه عمل القلب وهو حب الله ورسوله، و تعظيم الله ورسوله، وتعزير الرسول وتوقيره وخشية الله والإنابة إليه والإخلاص له والتوكل عليه إلى غير ذلك من الأحوال، فهذه الأعمال القلبية كلّها من الإيمان، وهي ممّا يوجبها التصديق و الإعتقاد إيجاب العلة للمعلول، ويتبع الإعتقاد قول اللسان ويتبع عمل القلب عمل الجوارح من الصلاة والزكاة والصوم والحج ونحو ذلك إنتهى.
و قال [2] رحمه الله تعالى: و الإيمان أن تؤمن بالله و ملائكته و كتبه و رسله و البعث بعد الموت، و تؤمن بالقدر خيره و شرّه، و متى حصل له هذا الإيمان وجب ضرورة أن يحصل له الإسلام الّذي هو الشهادتان و الصّلاة و الزكاة و الصيام و الحج، لأنّ إيمانه بالله و ملائكته و رسله يقتضي الإستسلام لله و الإنقياد له، و إلاّ فمن الممتنع أن يكون قد حصل له الإقرار و الحب و الإنقياد باطنا و لا يحصل ذلك في الظاهر مع القدرة عليه، كما يمتنع وجود الإرادة الجازمة مع القدرة بدون وجود المراد. إنتهى
بيّن ذلك الإمام محمد بن نصر المروزي في كتابه تعظيم قدر الصّلاة فقال: من صدّق خضع قلبه، و من خضع قلبه أقرّ و صدّق بلسانه و أطاع بجوارحه، و الدليل على ذلك ما وصف الله عن إبليس بقوله:"خلقتني من نار"، و قوله:"فبعزّتك لأغوينّهم أجمعين"، فأخبر أنّه قد عرف أنّ الله قد خلقه و لم يخضع لأمره فيسجد لآدم كما أمره فلم ينفعه معرفته إذ زايله الخضوع و لم تكن معرفته إيمانا، إذ لم يكن معها خضوع بالطاعة، فسلبه إسم الإيمان و الإسلام، إذ لم يخضع له فيطيعه بالسجود فأبى و عاند، و لو عرف الله بالمعرفة الّتي هي إيمان لخضع لجلاله و إنقاد لطاعته، و لم يردّ عليه أمره.
و الدليل على ذلك أيضا: شهادة الله على قلوب بعض اليهود أنّهم يعرفون النبيّ صلّى الله عليه و سلّم، و ما أنزل إليهم كما يعرفون أبناءهم، فلا أحد أصدق شهادة على ما في قلوبهم من الله، إذ يقول لنبيّه:"فلمّا جاءهم ما عرفوا كفروا به"،"ليكتمون الحق و هم يعلمون"، فشهد على قلوبهم
(1) - مجموع الفتاوى {7/ 672}
(2) - الإيمان الأوسط، ص: 80