وجوابا عما أوردوه من شبهة القول أنّ الإيمان شيء واحد وأنّه لا يمكن أن يتبعض.
قال [1] شيخ الإسلام: المركبات على وجهين منها ما يكون التركيب شرطا في إطلاق الإسم ومنها ما لا يكن كذلك ... وإذا كانت المركبات على نوعين بل غالبها من هذا النوع لم يصح قولهم، أنه إذا زال جزؤه لزم أن يزول الإسم، إذا أمكن أن يبقى الاسم مع بقاء الجزء، ومعلوم أنّ إسم الإيمان من هذا الباب فإنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم قال:"الإيمان بضع وسبعون شعبة أعلاها قول لا إله الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق والحياء شعبة من الإيمان"ثمّ من المعلوم أنّه إذا زال الإماطة ونحوها لم يزل إسم الإيمان.
وقد ثبت عنه في الصحيحين انّه قال:"يخرج من النّار من كان في قلبه مثقال حبة من الإيمان"فأخبر أنّه يتبعض ويبقى بعضه وأنّ ذاك من الإيمان، فعلم أنّ بعض الإيمان يزول ويبقى بعضه وهذا ينقض مآخذهم الفاسدة، ويبيّن أنّ إسم الإيمان مثل إسم القرآن والصلاة والحج ونحو ذلك، أمّا الحج و نحوه ففيه أجزاء ينقص الحج بزوالها عن كماله الواجب ولا يبطل كرمي الجمار، والمبيت بمنى ونحو ذلك، وفيه أجزاء ينقص بزوالها عن كماله المستحب كرفع الصوت بالإهلال والرمل والإضطباع في الطواف الأوّل.
و كذلك الصلاة فيها أجزاء تنقص بزوالها عن كمال الإستحباب و فيها أجزاء واجبة تنقص بزوالها عن الكمال الواجب مع الصحة في مذهب أبي حنيفة وأحمد ومالك، وفيها ما له أجزاء إذا زالت جبر نقصها بسجود السهو، و أمور ليست كذلك انتهى.
وقال [2] : وإذا كانت الأعمال والتروك الظاهرة لازمة للإيمان الباطن كانت من موجبه و مقتضاه، وكان من المعلوم أنّها تقوى بقوته، وتضعف بضعفه، وتزيد بزيادته، وتنقص بنقصانه، فإنّ الشيء المعلول لا يزيد إلاّ بزيادة موجبه ومقتضيه ولا ينقص إلاّ بنقصان ذلك، فإذا جعل العمل الظاهر موجب الباطن و مقتضاه لزم أن يكون زيادته لزيادة الباطن، فيكون دليلا على زيادة الإيمان الباطن ونقصه انتهى.
(1) - كتاب الإيمان الأوسط {50 - 52} بتصرف
(2) - نفس المصدر. ص: 105