قال [1] شيخ الإسلام: وأصل نزاع هذه الفرق في الإيمان من الخوارج والمرجئة والمعتزلة والجهمية وغيرهم أنّهم جعلوا الإيمان شيئا واحدا إذا زال بعضه زال جميعه، و إذا ثبت بعضه ثبت جميعه، فلم يقولوا بذهاب بعضه و بقاء بعضه كما قال النبي صلى الله عليه وسلم:"يخرج من النار من كان في قلبه مثقال حبّة من إيمان"رواه البخاري ومسلم.
ثم قال الخوارج والمعتزلة: الطاعات كلّها من الإيمان، فإذا ذهب بعضها ذهب بعض الإيمان فذهب سائره، فحكموا بأنّ صاحب الكبيرة ليس معه شيء من الإيمان.
وقالت المرجئة والجهمية: ليس الإيمان إلاّ شيئا واحد لا يتبعض إمّا تصديق القلب كقول الجهمية، أو تصديق القلب واللسان كقول المرجئة: قالوا لأنّا إذا أدخلنا فيه الأعمال صارت جزءا منه، فإذا ذهبت ذهب بعضه فيلزم إخراج ذي الكبيرة من الإيمان، وهو قول المعتزلة والخوارج لكن قد يكون له لوازم ودلائل فيستدل بعدمه على عدمه. إنتهى
إلاّ أنّ الشيخ الألباني رحمه الله تعالى [2] ظنّ بأنّ الفرق بين السلفية والمرجئة هو في كون الإيمان يزيد وينقص وأمّا كون الأعمال ليست ركنا بل هي شرط كمال فهما متفقان ويخالفان مذهب الخوارج في كون الأعمال شرط صحة في الإيمان.
وقال رحمه الله تعالى في موضع آخر في شريط من سلسلة رحلة النور:
لمّا أجاب رحمه الله أنّ الأعمال شرط كمال، قال: الأحناف ويعني مرجئة الفقهاء يلتقون مع أهل السنة ثم قال: الأحرى أن نقول أهل السنة يلتقون مع الأحناف حيث يقولون أنّ الأعمال ليست من الإيمان انتهى.
وكلام الشيخ رحمه الله فيه كبير نظر إذ الخلاف الجوهري مع الخوارج هو في تبعض و تفاضل الإيمان وليس في كون الأعمال من الإيمان أمّا الخلاف مع المرجئة فكبير، إذ الخلاف في تبعض الإيمان، و في علاقة الأعمال مع الإيمان.
قال [3] الحافظ إبن رجب: و أنكر السّلف على من أخرج الأعمال عن الإيمان إنكارا شديدا، و ممّن أنكر ذلك على قائله و جعله محدثا: سعيد بن جبير، و ميمون بن مهران، و قتادة، و أيّوب السختياني، و إبراهيم النخعي، و الزهريّ، و يحي بن أبي كثير و غيرهم، و قال الثوري: هو رأي محدث، أدركنا الناس على غيره. و قال الأوزاعي: كان من مضى ممّن سلف لا يفرّقون بين الإيمان و العمل. إنتهى.
(1) - الإيمان الأوسط {46 - 47}
(2) - في شريط بعنوان: كل بدعة ضلالة:"الوجه ب".
(3) - جامع العلوم و الحكم (1/ 104)