فصل: السبب الّذي جعل المرجئة يخرجون الأعمال من مسمّى الإيمان
من خلال ما سبق علمنا أنّ مذهب أهل الحديث و جمهور علماء السلف أنّ الأعمال ركن في الإيمان، و قد خالف في ذلك المرجئة على إختلاف مذاهبهم و منهم الأشاعرة حيث أخرجوا الأعمال من مسمّى الإيمان و كان هذا الإنحراف منهم رَدّة فعل على الخوارج الّذين سلموا لهم أنّ الإيمان شيء واحد في القلب؛ فالمرجئة والخوارج متفقون في هذه الجزئية و هي أنّ الإيمان لا يتبعض بل هو شيء واحد، وإختلفوا في علاقة الأعمال بالإيمان.
قال [1] الدكتور عبد الله القرني: وعلى هذا فخلاف الفرق المخالفة لأهل السنّة في حقيقة الإيمان والكفر ليس في حقيقته قائما على نظر واع وإجتهاد مدروس، و إنّما هو ردود أفعال غالية على غلو سابق، وهذه حقيقة تاريخية مهمّة، فحيث بنى الخوارج منهجهم في التكفير بالكبيرة على أنّ الأعمال من الإيمان بناءا على أنّ الإيمان حقيقة واحدة تنتفي كلّها بإنتفاء البعض جاء من يقول وهم المرجئة إنّ الأعمال ليست من الإيمان، إذ لا يمكن الجمع بين القول بعدم تكفير مرتكب الكبيرة وقول بأنّ العمل من الإيمان [أقول: إستنادا إلى أنّ الإيمان حقيقة واحدة] فقابلوا بدعة التكفير بالمعصية ببدعة نفي أن يكون العمل داخلا في مسمّى الإيمان. إنتهى
أمّا أهل السنة والحق أدركوا الخلل الّذي جرّ المرجئة والخوارج إلى الإنحراف وهو قولهم أنّ الإيمان شيء واحد، فالخوارج القائلون بأنّ الإيمان قول وعمل وهو شيء واحد في القلب كان لازم قولهم والذي هو مذهبهم ومسلكهم التكفير بمجرد ترك العمل الواحد، أي التكفير بالكبيرة وبعضهم يكفر بالإصرار على الصغيرة.
فجاءت المرجئة وأقروا الخوارج على أنّ الإيمان حقيقة وشيء واحد، فأخرجوا الأعمال من مسمّى الإيمان؛ فمنهم من قال أنّ الإيمان هو المعرفة
ومنهم من قال: الإيمان هو التصديق
و منهم من قال أنّ الإيمان هو القول
ومنهم من قال: الإيمان هو التصديق والقول
وحقيقة الأمر أنّ الإيمان ليس بشيء واحد، بل يتبعض ويتفاوت و يتفاضل فيزيد بفعل الطاعة وينقص بتركها
(1) - ضوابط التكفير {20} ، و في هذا الكتاب ملاحظات وقف عندها و لله الحمد الشيخ أحمد الخالدي.