الهجرة من دار الكفر إلى دار الإسلام لمن استطاع الهجرة، ثم يجب على أهل دار الإسلام أن يغزوا الكفار في دارهم، الأدلة على ذلك:
أولًا: الأدلة على وجوب الهجرة من دار الكفر إلى دار الإسلام عند القدرة؛ قال الله تبارك وتعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} ؛ هذا من القرآن العظيم، أما من السنة فروى الإمام مسلم في صحيحه، باب تأمير الأمير الأمراء على البعوث ووصيته إياهم بآداب الغزو وغيرها، عنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِه وَسَلَّمَ إِذَا أَمَّرَ أَمِيرًا عَلَى جَيْشٍ، أَوْ سَرِيَّةٍ، أَوْصَاهُ فِي خَاصَّته بِتَقْوَى اللَّهِ، وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ خَيْرًا، ثُمَّ قَالَ: اغْزُوا بسمِ اللهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، قَاتِلُوا مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ، اغْزُوا ولا تَغُلُّوا، وَلا تَغْدُرُوا وَلا تُمَثِّلُوا، وَلا تَقْتُلُوا وَلِيدًا، وَإِذَا لَقِيتَ عَدُوَّكَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، فَادْعُهُمْ إِلَى ثَلاثِ خِصَالٍ، أَوْ قَالَ خِلالٍ فَأَيَّتُهُنَّ مَا أَجَابُوكَ فَاقْبَلْ مِنْهُمْ وَكُفَّ عَنْهُمُ، ثُمّ ادْعُهُمْ إِلَى الإِسْلامِ، فَإنْ أَجَابُوكَ فَاقْبَلْ منْهُم وكُفّ عَنْهُم، ثُمَّ ادْعُهُم إلَى التَّحَوُّلِ مِنْ دَارِهِم إلى دَارِ المُهَاجِرِين، وَأَخْبِرْهُمْ أَنَّهُمْ إِنْ فَعَلُوا فَلَهُمْ مَا لِلْمُهَاجِرِينَ وَعَلَيْهِمْ مَا عَلَى الْمُهَاجِرِينَ، فَإِنْ أَبَوْا أَنْ يَتَحَوَّلُوا مِنْهَا فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّهُمْ يَكُونُونَ كَأَعْرَابِ الْمُسْلِمِينَ يَجْرِي عَلَيْهِمْ حُكْمُ اللَّهِ الَّذِي يَجْرِي عَلَى الْمُؤْمِنِين، وَلا يَكُونُ لَهُمْ فِي الْغَنِيمَةِ وَالْفَيْءِ شَيْءٌ، إِلا أَنْ يُجَاهِدُوا مَعَ الْمُسْلِمِينَ) والحديث رواه مسلم. ثم من الأدلة على وجوب الهجرة الإجماع، نقل الإمام الشوكاني -رحمه الله- في نيل الأوطار الإجماع على ذلك فقال:"وقد حُكي في البحر [1] أن الهجرة عن دار الكفر واجبة إجماعًا". هذا الأمر الأول وهو وجوب الهجرة.
الأمر الثاني: وجوب غزو الكفار في دارهم وهذا جهاد الطلب، أو ما يسمى جهاد الهجوم، وهو فرض كفاية كما دلّ عليه القرآن والسنة والإجماع، أما من القرآن فقول الله تبارك وتعالى: {فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} وقال الله تعالى: {وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ} . والدليل على وجوب القتال من السنة حديث ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: (أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُوْلُ اللهِ وَيُقِيْمُوْا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءهَمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلاَّ بِحَقِّ الإِسْلامِ وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللهِ) الحديث أخرجه البخاري. ودليل الإجماع نقل الإمام ابن عطية الأندلسي -رحمه الله- في تفسيره قال:
(1) - البحر الزخار الجامع لمذاهب علماء الأمصار، وهو كتاب في فروع الفقه الزيدي لأحمد المرتضي.