فهرس الكتاب

الصفحة 890 من 1139

(العلاقة بين العقل الغريزي والمكتسب)

(( قال الماوردي رحمه الله تعالى في أدب الدين والدنيا:

وَاعْلَمْ أَنَّ الْعَقْلَ الْمُكْتَسَبَ لاَ يَنْفَكُّ عَنْ الْعَقْلِ الْغَرِيزِيِّ؛ لِأَنَّهُ نَتِيجَةٌ مِنْهُ. وَقَدْ يَنْفَكُّ الْعَقْلُ الْغَرِيزِيُّ عَنْ الْعَقْلِ الْمُكْتَسَبِ فَيَكُونَ صَاحِبُهُ مَسْلُوبَ الْفَضَائِلِ، مَوْفُورَ الرَّذَائِلِ، كَالأنْوَكِ الَّذِي لاَ يَجِدُ لَهُ فَضِيلَةً، وَالأحْمَقُ الَّذِي قَلَّ مَا يَخْلُو مِنْ رَذِيلَةٍ.

وَقَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ: الْحَاجَةُ إلَى الْعَقْلِ أَقْبَحُ مِنْ الْحَاجَةِ إلَى الْمَالِ.

وَقَالَ بَعْضُ الْبُلَغَاءِ: دَوْلَةُ الْجَاهِلِ عِبْرَةُ الْعَاقِلِ.

وَقَالَ أَنُوشِرْوَانَ لِبَزَرْجَمْهَرَ: أَيُّ الاشْيَاءِ خَيْرٌ لِلْمَرْءِ؟ قَالَ: عَقْلٌ يَعِيشُ بِهِ. قَالَ: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ؟ قَالَ: فَإِخْوَانٌ يَسْتُرُونَ عَيْبَهُ. قَالَ: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ؟ قَالَ: فَمَالٌ يَتَحَبَّبُ بِهِ إلَى النَّاسِ. قَالَ: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ؟ قَالَ: فَعِيٌّ صَامِتٌ. قَالَ: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ؟ قَالَ: فَمَوْتٌ جَارِفٌ.

وَقَالَ سَابُورُ بْنُ أَرْدَشِيرَ: الْعَقْلُ نَوْعَانِ: أَحَدُهُمَا مَطْبُوعٌ، وَالآخَرُ مَسْمُوعٌ. وَلاَ يَصْلُحُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا إلا بِصَاحِبِهِ، فَأَخَذَ ذَلِكَ بَعْضُ الشُّعَرَاءِ فَقَالَ: رَأَيْتُ الْعَقْلَ نَوْعَيْنِ فَمَسْمُوعٌ وَمَطْبُوعُ وَلاَ يَنْفَعُ مَسْمُوعٌ إذَا لَمْ يَكُ مَطْبُوعُ كَمَا لاَ تَنْفَعُ الشَّمْسُ وَضَوْءُ الْعَيْنِ مَمْنُوعُ.

وَقَدْ وَصَفَ بَعْضُ الأدَبَاءِ الْعَاقِلَ بِمَا فِيهِ مِنْ الْفَضَائِلِ، وَالأحْمَقَ بِمَا فِيهِ مِنْ الرَّذَائِلِ، فَقَالَ: الْعَاقِلُ إذَا وَالَى بَذَلَ فِي الْمَوَدَّةِ نَصْرَهُ، وَإِذَا عَادَى رَفَعَ عَنْ الظُّلْمِ قَدْرَهُ، فَيُسْعِدُ مَوَالِيَهُ بِعَقْلِهِ، وَيَعْتَصِمُ مُعَادِيهِ بِعَدْلِهِ. إنْ أَحْسَنَ إلَى أَحَدٍ تَرَكَ الْمُطَالَبَةَ بِالشُّكْرِ، وَإِنْ أَسَاءَ إلَيْهِ مُسِيءٌ سَبَّبَ لَهُ أَسْبَابَ الْعُذْرِ، أَوْ مَنَحَهُ الصَّفْحَ وَالْعَفْوَ. وَالأحْمَقُ ضَالٌّ مُضِلٌّ إنْ أُونِسَ تَكَبَّرَ، وَإِنْ أُوحِشَ تَكْدَرَ، وَإِنْ اُسْتُنْطِقَ تَخَلَّفَ، وَإِنْ تُرِكَ تَكَلَّفَ. مُجَالَسَتُهُ مِهْنَةٌ، وَمُعَاتَبَتُهُ مِحْنَةٌ، وَمُحَاوَرَتُهُ تَعَرٍّ، وَمُوَالاتُهُ تَضُرُّ، وَمُقَارَبَتُهُ عَمَى، وَمُقَارَنَتُهُ شَقَا. وَكَانَتْ مُلُوكُ الْفُرْسِ إذَا غَضِبَتْ عَلَى عَاقِلٍ حَبَسَتْهُ مَعَ جَاهِلٍ.

وَالأحْمَقُ يُسِيءُ إلَى غَيْرِهِ وَيَظُنُّ أَنَّهُ قَدْ أَحْسَنَ إلَيْهِ فَيُطَالِبُهُ بِالشُّكْرِ، وَيُحْسِنُ إلَيْهِ فَيَظُنُّ أَنَّهُ قَدْ أَسَاءَ فَيُطَالِبُهُ بِالْوَتَرِ. فَمَسَاوِئُ الأحْمَقِ لاَ تَنْقَضِي وَعُيُوبُهُ لاَ تَتَنَاهَى وَلاَ يَقِفُ النَّظَرُ مِنْهَا إلَى غَايَةٍ إلا لَوَّحَتْ مَا وَرَاءَهَا مِمَّا هُوَ أَدْنَى مِنْهَا، وَأَرْدَى، وَأَمَرُّ، وَأَدْهَى. فَمَا أَكْثَرَ الْعِبْرَ لِمَنْ نَظَرَ، وَأَنْفَعَهَا لِمَنْ اعْتَبَرَ. وَقَالَ الأحْنَفُ بْنُ قَيْسٍ: مِنْ كُلِّ شَيْءٍ يُحْفَظُ الأحْمَقُ إلا مِنْ نَفْسِهِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت