فهرس الكتاب

الصفحة 6 من 1139

ولما كان المسلم بحاجة ماسةٍ إلى سلوك الأدب وتحقيقه بين الأفراد لأن الناس إذا تحلوا بمراعاة الأدب بينهم حصل الاطمئنان والأمن بينهم، فحقوقهم مكفولة وسمعتهم محترمة ومكانتهم محفوظة، فيطمئنون على أنفسهم لأن الأدب ينزع الأحقاد من صدور الناس وإذا التزم الناس بالآداب الشرعية صَفت النفوس فسادت الأخوّة والمحبة والألفة المجتمع، ثم إن الداعيةُ إلى الله تعالى يحتاجُ إلى التحلي بالآداب سيرًا على منهج السلفِ الصالحِ في التعلم حيث كان منهجهم في التعلم (أن يتلقوْا العلمَ مع الأدب) لأن العلمَ بلا أدبٍ يجني على صاحبه ويُهلكه لأن الأدب طريقُ العلم النافع: فطالب العلم لن ينال العلم وبركته بدون أدب لأن العلمَ بلا أدبٍ يجني على صاحبه ويُهلكه، وقد حذّر السلف كثيرًا من طلب العلم بدون أدب، فقال الإمام البوشنجي الفقيه المالكي (ت:291 هـ) (من أراد العلم والفقه بغير أدب فقد اقتحم أن يكذب على الله ورسوله) سير أعلام النبلاء (13/ 586) للذهبي، وأورد الإمام بن الجزري في غاية النهاية في طبقات القُراء عن ابن المبارك قال: طلبت الأدب ثلاثين سنة، وطلبت العلم عشرين سنة، وكانوا يطلبون الأدب ثم العلم، أورد ابن الجوزي في صفة الصفوة عن ابن المبارك قال: كاد الأدب يكون ثلثي العلم،،وقال بكر أبو زيد في حلية طالب العلم صـ 6 (لقد تواردت موجبات الشرع على أن التحلّي بمحاسن الأدب ومكارم الأخلاق سِمةُ أهل الإسلام وأن العلم لا يصل إليه إلا المُتحلي بآدابه المتخلي عن آفاته) أهـ، فالحاصل أن الأدب مهم جدًا للفرد وللمجتمع وخاصةً طالب العلم، وإنما أعني بالآداب أدب الدين والدنيا لأن َأَعْظَمُ الأمور خَطَرًا وَقَدْرًا وَأَعُمُّهَا نَفْعًا وَرِفْدًا مَا اسْتَقَامَ بِهِ الدِّينُ وَالدُّنْيَا وَانْتَظَمَ بِهِ صَلاَحُ الآخرة والأولى؛ لِأَنَّ بِاسْتِقَامَةِ الدِّينِ تَصِحُّ الْعِبَادَةُ، وَبِصَلاَحِ الدُّنْيَا تَتِمُّ السَّعَادَةُ.

لهذه الأسبابِ الثلاثةِ مجتمعة رأيت أن أقدم هذا الجهدَ المُقل المسمى (فَصْلُ الخِطَابِ في الزُهْدِ والرَقَائِقِ والآداب) مبتدأ بـ (الزهد) ثم (الرقائق) ، ثم أنتقل إلى (الآداب) ليتحلى بها طالب فيكون الداعيةُ إلى الله بعد دراسته لهذا الكتاب قد عمل على تزكية نفسه وتهذيبها فيكون زاهدًا رقيقَ القلبِ متحليًا بالآداب مما يُؤهله إلى الدعوة إلى الله على بصيرة امتثالًا لقوله تعالى: (قُلْ هَذِهِ سَبِيلِيَ أَدْعُو إِلَىَ اللّهِ عَلَىَ بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللّهِ وَمَآ أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) [سورة: يوسف - الآية: 108] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت