(صفات المتقين)
(1) ذكر الله من صفاتهم أنهم يؤمنون بالغيب إيمانًا جازمًا، قال تعالى: (ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لّلْمُتّقِينَ * الّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ) [البقرة 2: 3]
(2) يتحرون الصّدق في الأقوال والأعمال قال تعالى: (وَالّذِي جَآءَ بِالصّدْقِ وَصَدّقَ بِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُتّقُونَ) [الزمر: 33] ، الذي جاء بالصدق هو محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، والذي صدق به قيل هو أبو بكر الصديق رضي الله عنه. وقال تعالى: (أُولَئِكَ الّذِينَ صَدَقُوآ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتّقُونَ) [البقرة: 177] ، هذا بيان أن المتقي يصدق.
(3) يعظمون شعائر الله قال تعالى: (ذَلِكَ وَمَن يُعَظّمْ شَعَائِرَ اللّهِ فَإِنّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ) [الحج: 32] ، وما معنى تعظيم شعائر الله؟؛ أن المرء يعظم حرمات ربه فلا ينتهكها، ويعظّم أوامر الله فيأتي بها على وجهها، ويأتي بأنفس الأشياء، فلو طُلِب منه هدي في الحج أو أضحية استسمنه واستحسنه وأتى به على أحسن وأنفس وأغلى ما يجد، هذا من تعظيم شعائر الله. وكان إشعار الهدي وهو تعليمه بعلامة حتى لا يؤخذ أو إذا ضاع يُعرف هذا ما يفعله الحاج من السنة.
(4) يتحرون العدل ويحكمون به قال تعالى: (يَا أَيّهَآ الّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوّامِينَ للّهِ شُهَدَآءَ بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىَ أَلاّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتّقْوَىَ وَاتّقُواْ اللّهَ إِنّ اللّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) [المائدة: 8] .الآية أساسًا في المشركين والمشركون يبُكرَهون ويبغضُون لأجل شرك والكفر ومع ذلك أمرنا أن نعدل فيهم. وعلي بن أبي طالب لما اختصم مع يهودي، حكم عليه القاضي لما لم يأتِ ببينة، وسُلّمت الدرع لليهودي، فاندهش إليهودي كيف يُحكم له على أمير المؤمنين، والدرع كان لعلي رضي الله عنه ولم تكن له بيّنة، قال شهودي الحسن والحسين، قال لا تجوز شهادة الأبناء للأب، قال سيّدا شباب أهل الجنة، قال هذا في الجنّة .. ، فمن دهشة إليهودي مما رأى قاليا أمير المؤمنين أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا رسول الله، الدرع درعك، سقطت منك وأنت خارج إلى صفّين، فاختلستها. إذًا إذا رأى الكفار عدل المسلمين يمكن أن يسلموا.
(5) المتقين يتبعون سبيل الأنبياء والصادقين والمصلحين يكونون معهم، قال تعالى: (يَاأَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ اتّقُواْ اللّهَ وَكُونُواْ مَعَ الصّادِقِينَ) [التوبة: 119] ، فأهل الصدق هم أصحاب المتقين وإخوانهم ورفقاءهم وأهل جلوسهم وروّاد منتدياتهم.
يدع مالا بأس به حذرًا مما به بأس تأسيًا بالنبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كما في الحديث الآتي:
(حديث علي الثابت في صحيح الترمذي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: دَعْ ما يريبك إلى ما لا يريبك فإن الصدق طمأنينة والكذب ريبة.
فتمام التقوى أن تتقي الله حتى تترك أحيانًا ما ترى بعض الحلال خشية أن تكون حرامًا، النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يرى تمرة فيريد أن يأكلها فيتركها لأنه يخشى أن تكون سقطت من تمر الصدقة.
وهذا أصل من أصول الورع، ولهذا كان النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يمر بتمرة فلا يأكلها خشية أن تكون من الصدقة.
(حديث أنس رضي الله عنه الثابت في الصحيحين) قال: مر النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بتمرة في الطريق، قال: (لولا أني أخاف أن تكون من الصدقة لأكلتها) .
والورع يجب أن يكون ورعًا صحيحًا، فبعض الناس يفعلون الكبائر ثم يتورعون عن الأشياء اليسيرة .. !."عجبتُ لكم يا أهل العراق تقتلون ابن بنت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثم تسألون عن دم البعوض".. !!!، فلذلك ينبغي أن يكون الورع على أساس، امرئ ترك المحرمات ثم هو آخذ في الإعراض عن المشتبهات، ولذلك لما سُئِل الإمام أحمد رحمه الله عن رجل يشتري البقل ويشترط الخوصة أنه يخشى أن تكون هذه التي تربط بها حزمة البقل غير داخلة في البيع فيشترط على البائع ذلك .. ،قال: ما هذه المسائل .. ؟!!!، قالوا: فلان يفعل ذلك .. إبراهيم بن أبي نعيم .. قال: هذا نعما .. هذا رجل يليق بحاله .. رجل متقي جدًا. وهو الذي سُئِل رحمه الله عن رجل له زوجة وأمه تأمره بطلاقها فقال: (( إن كان برّ أمه في كل شيء حتى لم يبقَ إلا طلاق زوجته؛ يفعل، ولكن إن كان يبرها بطلاق زوجته ثم يقوم إلى أمه بعد ذلك فيضربها فلا يفعل .. ! ) ).