فهرس الكتاب

الصفحة 94 من 148

{وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ} (الحجر: الآية 99) لأنه بذلك ازداد استمدادًا من الحضرة الإلهية وقرع باب الكرم، والنبي عليه الصلاة والسلام مفتقر إلى الزيادة من الله تعالى غير مستغن عن ذلك، ثم في ذلك سر غريب: وذلك أن رسول الله برابطة جنسية النفس كان يدعو الخلق إلى الحق، ولولا رابطة الجنسية ما وصلوا إليه ولا انتفعوا به، وبين نفسه الطاهرة ونفوس الأتباع رابطة التأليف كما بين روحه وأرواحهم رابطة التأليف، ورابطة التأليف: أن النفوس ألفت آنفًا، كما أن الأرواح ألفت أولًا. ولكل روح مع نفسه تأليف خاص، والسكون والتأليف والامتزاج واقع بين الأرواح والنفوس. وكان رسول الله يديم العمل لتصفية نفسه ونفوس الأتباع، فما احتاج إليه نفسه من ذلك ناله، وما فضل من ذلك وصل إلى نفوس الأمة، وهكذا المنتهي مع الأصحاب والأتباع على هذا المعنى، فلا يتخلف عن الزيادات والنوافل، ولا يسترسل في الشهوات واللذات إلا بدلالة تخص النفس، ولا يعطي الاعتدال حقه من ذلك إلا بتأييد الله تعالى ونور الحكمة، وكل من يحتاج إلى صحة الجلوة للغير لا بد له من خلوة صحيحة بالحق، حتى تكون جلوته في حماية خلوته.

ومن يتراءى له أن أوقاته كلها خلوة وأنه لا يحجبه شيء وأن أوقاته بالله ولله ولا يرى نقصانًا لأن الله ما فطنه لحقيقة المزيد، فهو صحيح في حاله، غير أنه تحت قصور، لأنه ما نبه لسياسة الجبلة، وما عرف سر تمليك الاختيار، ما وقف من البيان على البيضاء النقية. وقد نقلت عن المشايخ كلمات فيها موضع الاشتباه، فقد يسمعها الإنسان ويبني عليها، والأولى أن يفتقر إلى الله تعالى في أي كلمة يسمعها حتى يسمعه الله في ذلك والصواب.

نقل عن بعضهم أنه سئل عن كمال المعرفة فقال: إذا اجتمعت المتفرقات، واستوت الأحوال والأماكن، وسقطت رؤية التمييز. ومثل هذا القول يوهم أن لا يبقى تمييز بين الخلوة والجلوة وبين القيام بصور الأعمال وبين تركها، ولم يفهم منه أن القائل أراد بذلك معنى خاصًا، يعني أن حظ المعرفة لا يتغير بحال من الأحوال، وهذا صحيح، لأن حظ المعرفة لا يتغير ولا يفتقر إلى التمييز وتستوي الأحوال فيه، ولكن حظ المريد يتغير ويحتاج إلى التمييز، وليس في هذا الكلام وأمثاله ما ينافي ما ذكرناه.

قيل لمحمد بن الفضل: حاجة العارفين إلى ماذا؟ قال: حاجتهم إلى الخصلة التي كملت بها المحاسن كلها ألا وهي الاستقامة، وكل من كان أتم معرفة كان أتم استقامة؛ فاستقامة أرباب النهاية على التمام، والعبد في الابتداء مأخوذ في الأعمال محجوب بها عن الأحوال. وفي التوسط محفوظ بالأحوال يحجب عن الأعمال. وفي النهاية لا تحجبه الأعمال عن الأحوال ولا الأحوال عن الأعمال، وذلك هو الفضل العظيم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت