فهرس الكتاب

الصفحة 93 من 148

الشهوات وقتًا لأن في ذلك صلاحها، واعتبر هذا سواء بحال الصبي، فإنه إن جاوز حدّ الاعتدال من إعطاء المراد وقتًا ومنعه وقتًا انفسد طبعه؛ لأن الجبلة لا بد من قمعها بسياسة العلم، وما دامت الجبلة باقية لا بد من سياسة العلم، وهذا باب غامض دخل في النهايات على المنتهي من ذلك دواخل ووقع الركون وانسد به باب المزيد؛ فالمنتهي ملك ناصية الاختيار في الأخذ والترك، ولا بدّ له من أخذ وترك في الأعمال والحظوظ؛ ففي الأعمال لا بد له من أخذ وترك، فتارة يأتي بالأعمال كآحاد الصادقين، وتارة يترك زيادة الأعمال رفقًا بالنفس، وتارة يأخذ الحظوظ والشهوات رفقًا بالنفس، وتارة يتركها افتقادًا للنفس بحسن السياسة، فيكون في ذلك كله مختارًا؛ فمن ساكن ترك الحظوظ بالكلية، فهو زاهد تارك بالكلية.

ومن استرسل في أخذها فهو راغب بالكلية.

والمنتهي شمل الطرفين، فإنه على غاية الاعتدال، واقف على الصراط بين الإفراط والتفريط، فمن ردت إليه الأقسام في النهاية فأخذها زاهدًا في الزهد فهو تحت قهر الحال من ترك الاختيار، وتارك الاختيار الواقف مع فعل الله تعالى مقيد بالحال، وكما أن الزاهد مقيد بالترك تارك الاختيار، فكذلك الزاهد في الزهد الآخذ من الدنيا ما سيق إليه لرؤيته فعل الله مقيدًا بالأخذ، وإذا استقرت النهاية لا يتقيد بالأخذ ولا بالترك بل يترك وقتًا واختياره من اختيار الله، ويأخذ وقتًا واختياره من اختيار الله، وهكذا صومه النافلة وصلاته النافلة يأتي بها وقتًا ويسمح للنفس وقتًا، لأنه مختار صحيح في الاختيار في الحالين، وهذا هو الصحيح ونهاية النهاية، وكل حال يستقر ويستقيم يشاكل حال رسول الله، وهكذا كان رسول الله عليه الصلاة والسلام يقوم من الليل ولا يقوم الليل كله، ويصوم من الشهر ولا يصوم الشهر كله غير رمضان ويتناول الشهوات. ولما قال الرجل إنني عزمت أن لا آكل اللحم، قال: فإني آكل اللحم وأحبه، ولو سألت ربي أن يطعمني كل يوم لأطعمني.

وذلك يدلك على أن رسول الله صلى الله عليه وسلّم كان مختارًا في ذلك، إن شاء أكل وإن شاء لم يأكل، وكان يترك الأكل اختيارًا، وقد دخلت الفتنة على قوم كلما قيل لهم: إن رسول الله صلى الله عليه وسلّم فعل كذا يقولون: كان رسول الله صلى الله عليه وسلّم مشرعًا، وهذ إذا قالوه على معنى أنه لا يلزمهم التأسي به جهل محض؛ فإن الرخصة الوقوف على حد قوله، والعزيمة التأسي بفعله، وقول رسول الله صلى الله عليه وسلّم لأرباب الرخص وفعله لأرباب العزائم، ثم إن المنتهي يحاكي حاله حال رسول الله عليه الصلاة والسلام في دعاء الخلق إلى الحق، فكل ما كان يعتمده رسول الله صلى الله عليه وسلّم ينبغي أن يعتمده، فكان قيام رسول الله صلى الله عليه وسلّم وصيامه الزائد لا يخلو: إما أنه كان ليقتدى به، وإما أنه كان لمزيد كان يجده بذلك، فإن كان ليقتدي به فالمنتهي أيضًا مقتد به ينبغي أن يأتي بمثل ذلك، والصحيح الحق أن رسول الله صلى الله عليه وسلّم لم يفعل ذلك لمجرد الاقتداء، بل كان يجد لذلك زيادة، وهو ما ذكرناه من تهذيب الجبلة، قال الله تعالى خطابًا له:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت