فهرس الكتاب

الصفحة 91 من 148

وبلغنا أن حسان بن سنان قال ذات يوم: لمن هذه الدار؟ ثم رجع إلى نفسه وقال: مالي وهذا السؤال؟ وهل هذه إلا كلمة لا تعنيني؟ وهل هذا إلا لاستيلاء نفسي وقلة أدبها وآلى على نفسه أن يصوم سنة كفارة لهذه الكلمة فبالصدق نالوا ما نالوا، وبقوة العزائم ـ عزائم الرجال ـ بلغوا ما بلغوا.

أخبرنا أبو زرعة إجازة، قال: أخبرنا أبو بكر بن خلف، قال: أخبرنا أبو عبد الرحمن، قال: سمعت منصورًا يقول: سمعت أبا عمرو الأنماطي يقول: سمعت الجنيد يقول: لو أقبل صادق على الله ألف سنة ثم أعرض عنه لحظة لكان ما فاته من الله أكثر مما ناله، وهذه الجملة يحتاج المبتدئ أن يحكمها، والمنتهي عالم بها عالم بحقائقها؛ فالمبتدئ صادق والمنتهي صدّيق.

قال أبو سعيد القرشي: الصادق الذي ظاهره مستقيم وباطنه يميل أحيانًا إلى حظ النفس، وعلامته أن يجد الحلاوة في بعض الطاعة ولا يجدها في بعض، وإذا اشتغل بالذكر نور الروح، وإذا اشتغل بحظوظ النفس يحجب عن الأذكار. والصديق: الذي استقام ظاهره وباطنه يعبد الله تعالى بتلوين الأحوال، لا يحجبه عن الله وعن الأذكار أكل ولا نوم ولا شرب ولا طعام، والصديق يريد نفسه لله وأقرب الأحوال إلى النبوة الصديقية.

وقال أبو يزيد: آخر نهايات الصديق أول درجة الأنبياء.

واعلم أن أرباب النهايات استقامت بواطنهم وظواهرهم لله، وأرواحهم خلصت عن ظلمات النفس ووطئت بساط القرب، ونفوسهم منقادة مطواعة صالحة مع القلوب مجيبة إلى كل ما تجيب إليه القلوب، أرواحهم متعلقة بالمقام الأعلى، انطفأت فيهم نيران الهوى، وتخمر في بواطنهم صريح العلم وانكشفت لهم الآخرة، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم في حق أبي بكر رضي الله عنه: «مَنْ أَرَادَ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى مَيِّتٍ يَمْشِي عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ فَلْيَنْظُرْ إِلَى أَبِي بَكْرٍ» إشارة منه عليه الصلاة والسلام إلى ما كوشف به من صريح العلم الذي لا يصل إليه عوام المؤمنين إلا بعد الموت حيث يقال: {فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَآءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ} (ق: الآية 22) فأرباب النهايات ماتت أهويتهم وخلصت أرواحهم.

قال يحيى بن معاذ ـ وقد سئل عن وصف العارف؛ فقال: رجل معهم بائن منهم.

وقال مرة: عبد كان فبان.

فأرباب النهايات هم عند الله بحقيقتهم معوقين بتوقيت الأجل، جعلهم الله تعالى من جنوده في خلقه، بهم يهدي وبهم يرشد وبهم يجذب أهل الإرادة، كلامهم دواء ونظرهم دواء، ظاهرهم محفوظ بالحكم، وباطنهم معمور بالعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت