فهرس الكتاب

الصفحة 90 من 148

ويتقي جدًا أن يلبس للناس: أما المرتفع من الثياب أو ثياب المتقشفين ليرى بعين الزهد؛ ففي لبس المرتفع للناس هوى، وفي لبس الخشن رياء، فلا يلبس إلا لله.

بلغنا أن سفيان لبس القميص مقلوبًا ولم يعلم بذلك حتى ارتفع النهار ونبهه على ذلك بعض الناس، فهم أن يخلع ويغير ثم أمسك وقال: لبسته بنية لله فلا أغيره فألبسه بنية للناس؛ فليعلم العبد ذلك وليعتبره.

ولا بد للمبتدئ أن يكون له حظ من تلاوة القرآن ومن حفظه، فيحفظ من القرآن من السبع إلى الجميع إلى أقل أو أكثر كيف أمكن، ولا يصغي إلى قول من يقول: ملازمة ذكر واحد أفضل من تلاوة القرآن، فإنه يجد بتلاوة القرآن في الصلاة وفي غير الصلاة جميع ما يتمنى بتوفيق الله تعالى. وإنما اختار بعض المشايخ يديم المريد ذكرًا واحدًا ليجتمع الهم فيه، ومن لازم التلاوة في الخلوة وتمسك بالوحدة تفيده التلاوة والصلاة أو في ما يفيده الذكر الواحد؛ فإذا سئم في بعض الأحايين يصانع النفس على الذكر مصانعة، وينزل من التلاوة إلى الذكر فإنه أخف على النفس.

وينبغي أن يعلم أن الاعتبار بالقلب، فكل عمل من تلاوة وصلاة وذكر لا يجمع فيه بين القلب واللسان لا يعتدّ به كل الاعتداد؛ فإنه عمل ناقص.

ولا يحقر الوساوس وحديث النفس فإنه مضر وداء عضال؛ فيطالب نفسه أن تصير في تلاوته معنى القرآن مكان حديث النفس من باطنه، فكما أن التلاوة على اللسان هو مشغول بها ولا يمزجها بكلام آخر، هكذا يكون معنى القول في القلب لا يمزجه بحديث النفس، وإن كان أعجميًا لا يعلم معنى القرآن يكون لمراقبة حلية باطنه، فيشغل باطنه بمطالعة نظر الله إليه مكان حديث النفس؛ فإن بالدوام على ذلك يصير من أرباب المشاهدة.

قال مالك: قلوب الصديقين إذا سمعت القرآن طربت إلى الآخرة، فليتمسك المريد بهذه الأصول، وليستعن بدوام الافتقار إلى الله، فذلك ثبات قدمه.

قال سهل: على قدر لزوم الالتجاء والافتقار إلى الله تعالى يعرف البلاء، وعلى قدر معرفته بالبلاء يكون افتقاره إلى الله، فدوام الافتقار إلى الله أصل كل خير ومفتاح كل علم دقيق في طريق القوم، وهذا الافتقار مع كل الأنفاس لا يتشبث بحركة ولا يستقل بكلمة دون الافتقار إلى الله فيها، وكل كلمة وحركة خلت عن مراجعة الله والافتقار فيها لا تعقب خيرًا قطعًا، علمنا ذلك وتحققناه.

وقال سهل: من انتقل من نفس إلى نفس من غير ذكر فقد ضيع حاله، وأدنى ما يدخل على من ضيع حاله دخوله فيما لا يعنيه وتركه ما يعنيه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت