والقلوب الصافية التي كمل أدبها لكمال أدب قوالبها تصير سماوية تدخل بالتكبير في السماء كما تدخل في الصلاة، والله تعالى حرس السماء من تصرف الشياطين فالقلب السماوي لا سبيل للشيطان إليه؛ فتبقى هواجس نفسانية عند ذلك لا تنقطع بالتحصن بالسماء كانقطاع تصرف الشيطان والقلوب المرادة بالقرب تدرج بالتقريب، وتعرج في طبقات السماوات، وفي كل طبقة من أطباق السماء يتخلف شيء من ظلمة النفس؛ وبقدر ذلك يقل الهاجس إلى أن يتجاوز السماوات ويقف أمام العرش؛ فعند ذلك يذهب بالكلية هاجس النفس بساطع نور العرش، وتندرج ظلمات النفس في نور القلب اندراج الليل في النهار، وتتأدى حينئذ حقوق الآداب على وجه الصواب.
وما ذكرنا من أدب الصلاة يسير من كثير وشأن الصلاة أكبر من وصفنا وأكمل من ذكرنا.
وقد غلط أقوام وظنوا أن المقصود من الصلاة ذكر الله تعالى؛ وإذا حصل الذكر فأي حاجة إلى الصلاة، وسلكوا طرقًا من الضلال، وركنوا إلى أباطيل الخيال؛ ومحوا الرسوم والأحكام، ورفضوا الحلال والحرام.
وقوم آخرون سلكوا في ذلك طريقًا أدّتهم إلى نقصان الحال، حيث سلموا من الضلال، لأنهم اعترفوا بالفرائض وأنكروا فضل النوافل، واغتروا بيسير روح الحال، وأهملوا فضل الأعمال، ولم يعلموا أن لله في كل هيئة من الهيئات وكل حركة من الحركات أسرارًا وحكمًا لا توجد في شيء من الأذكار؛ فالأحوال والأعمال روح وجسمان، وما دام العبد في دار الدنيا إعراضه عن الأعمال عين الطغيان فالأعمال تزكو بالأحوال، والأحوال تنمو بالأعمال.