والتعبير عن الولد بـ (ما) لإبهام أمره وقصوره عن درجة العقلاء، والتقبل - أخذ الشيء على وجه الرضا وأصله المقابلة بالجزاء - وتقبل - هنا بمعنى اقبل إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ لسائر المسموعات فتسمع دعائي الْعَلِيمُ بما كان ويكون فتعلم نيتي وهو تعليل لاستدعاء القبول من حيث إن علمه تعالى بصحة نيتها وإخلاصها مستدع لذلك تفضلا وإحسانا، وتأكيد الجملة لغرض قوة يقينها بمضمونها وقصر صفتي السمع والعلم عليه تعالى لغرض اختصاص دعائها وانقطاع حبل رجائها عما عداه سبحانه بالكلية مبالغة في الضراعة والابتهال - قاله شيخ الإسلام - وتقديم صفة السمع لأن متعلقاتها وإن كانت غير متناهية إلا أنها ليست كتعلقات صفة العلم في الكثرة فَلَمَّا وَضَعَتْها الضمير - لما - ولما علم المتكلم أن مدلولها مؤنث جاز له تأنيث الضمير العائد إليه وإن كان اللفظ مذكرا، وأما التأنيث في قوله تعالى: (قالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُها أُنْثى) فليس باعتبار العلم بل باعتبار أن كل ضمير وقع بين مذكر ومؤنث هما عبارتان عن مدلول واحد جاز فيه التذكير والتأنيث نحو الكلام يسمى جملة، وأُنْثى حال بمنزلة الخبر فأنث العائد إلى «ما» نظرا إلى الحال من غير أن يعتبر فيه معنى الأنوثة ليلزم اللغو أو باعتبار التأويل بمؤنث لفظي يصلح للمذكر والمؤنث - كالنفس، والحبلة، والنسمة - فلا يشكل التأنيث ولا يلغو أُنْثى حال مبينة - كذا قيل - ولا يخلو عن نظر، فالحق أن الضمير لما - في بطني - والتأنيث في الأول لما أن المقام يستدعي ظهور أنوثته واعتباره في حيز الشرط إذ عليه يترتب جواب (لما) لا على وضع ولد ما، والتأنيث في الثاني للمسارعة إلى عرض ما دهمها من خيبة الرجاء وانقطاع حبل الأمل، وأُنْثى حال مؤكدة من الضمير أو بدل منه، وليس الغرض من هذا الكلام الإخبار لأنه إما للفائدة أو للازمها، وعلم الله تعالى محيط بهما بل لمجرد التجسر والتحزن، وقد قال الإمام المرزوقي: إنه قد يرد الخبر صورة لأغراض سوى الاخبار كما في قوله:
قومي هم قتلوا أميم أخي ... فإذا رميت «يصيبني سهمي»
فإن هذا الكلام تحزن وتفجع وليس بإخبار، وحاصل المعنى هنا على ما قرر - فلما وضعت بنتا تحسرت إلى مولاها وتفجعت إذ خاب منها رجاها - وعلى هذا لا إشكال أصلا في التأنيث. ولا في الجزاء نفسه. ولا في ترتبه على الشرط، وما قيل: إنه يحتمل أن يكون فائدة هذا الكلام - التحقير للمحرر استجلابا للقبول لأنه من تواضع لله تعالى رفعه الله سبحانه - فمستحقر من القول بالنسبة إلى ما ذكرنا، والتأكيد هنا قيل: للرد على اعتقادها الباطل وربما أنه يعود إلى الاعتناء والمبالغة في التحسر الذي قصدته والرمز إلى أنه صادر عن قلب كسير وفؤاد بقيود الحرمان أسير. (وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما وَضَعَتْ) ليس المراد الرد عليها في إخبارها بما هو سبحانه أعلم به كما يتراءى من السياق بل الجملة اعتراضية سيقت لتعظيم المولود الذي وضعته وتفخيم شأنه والتجهيل لها بقدره - أي والله أعلم بالشيء الذي وضعته وما علق به من عظائم الأمور ودقائق الأسرار وواضح الآيات، وهي غافلة عن ذلك كله، و «ما» على هذا عبارة عن الموضوعة، قيل: والإتيان بها دون - من - يلائم التجهيل فإنها كثيرا ما يؤتى بها لما يجهل به وجعلها عبارة عن الواضعة - أي والله تعالى أعلم بشأن أم مريم حين تحسرها وتحزنها من توهم خيبة رجاها وأنها ليست من الولي إلى الله تعالى في شيء إذ لها مرتبة عظمى وتحريرها تحرير لا يوجد منه - مما لا وجه له وجزالة النظم تأباه.