قال مجاهد، وعطاء، وإبراهيم: المعنى إذا رجعتم إلى أوطانكم، فمن بقي بمكة صامها، ومن نهض إلى بلده صامها في الطريق. وقال قتادة والربيع: هذه رخصة من الله تعالى. والمعنى إذا رجعتم إلى أوطانكم، فلا يجب على أحد صوم السبعة حتى يصل إلى وطنه، إلا أن يتشدد أحد، كما يفعل من يصوم رمضان في السفر. وعلى حسب اختلاف هؤلاء المفسرين في تأويل هذه الآية، اختلف الفقهاء في جواز صيام سبعة أيام قبل الرجوع إلى الأهل. فأجاز ذلك مالك وأبو حنيفة إذا رجع من منى، وإن لم يصل إلى أهله، وقال بعضهم: جائز صيامها وإن لم يرجع الإنسان من منى، ولم ير قوله تعالى: {إذا رجعتم} شرطًا وجعله توسعة وتخفيفًا، مثل قوله في الصيام: {فمن كان منكم مريضًا} الآية [البقرة: 196] فأجاز له أن يصوم في رمضان، وإلى هذا ذهب ابن حبيب. وقال الشافعي في أحد قوليه: لا يصومها حتى يرجع إلى بلده. والدليل لقول مالك قوله تعالى: {وسسعة إذا رجعتم} . ووجه الاستدلال أنه تعالى ذكر الحج فقال: {ثلاثة أيام} ثم
قال: {وسبعة إذا رجعتم} ولا بد أن يكون الرجوع من منى، ولم يتقدم إلا ذكر الحج فوجب أن يكون رجوعه منه كما يقال: انصرف فلان من صلاته ورجع من عمله. يريد فرغ من عمله، وانقضى تلبسه به. وووجه ثان وهو يحتمل أن يريد به الرجوع من الحج وهو الأظهر لما قدمناه، ويحتمل أن يريد به الرجوع إلى أهله، على ما في ذلك من تعسف التأويل لأنه لم يجر لأهله، ولا لبلدة ذكر، وإذا احتمل الأمرين وجب أن يتعلق بأولهما وجودًا، كما قلنا في الشفق إنه لما وقع هذا اللفظ على الحمرة والبياض وجب إن يتعلق بأولهما، أو هو [مغيب] الحمرة. وقرأ بعضهم: (( وسبعةً إذا رجعتم ) )بالنصب أي صوموا سبعةً.
وقد اختلف في صيام هذه الأيام هل هي على المتابعة أم لا؟ وظاهر إطلاق الآية أن المتابعة غير مشترطة. واختلف فيمن يجب عليه صيام الثلاثة الأيام في الحج إذا لم يجد الهدي على أربعة أقوال:
أحدها: أن الذي يجب ذلك عليه المتمتع والقارن، وهو قول مالك، وهو أظهر تعلقًا بالآية لأن الهدي إنما هو على المتمتع والقارن في معناه في ذلك، وقال: ولا يجب الصيام على غيرهما ممن أفسد حجه أو فاته الحج، وشبههما إلا استحسانًا.