والجواب عن هذا انه خروج عن الظاهر بغير دليل. وقد تجوز مالك والشافعي، وأبو حنيفة ذبح هدي الإحصار في الحج متى شاء المحصر وأبو يوسف، ومحمد، والثوري لا يرون الذبح قبل يوم النحر فكأنهم يقيسون الزمان على المكان، ويستدلون بقوله تعالى: {حتى يبلغ الهدي محله} [البقرة: 196] لأن المحل يقع على الوقت والمكان جميعًا، فكان عمومًا. ويجاب عن هذا بأن العمرة قد ذكرت مع الحج وهي لا تتوقت بزمان ولهم أن يقولوا بتخصيص ذلك بالإجماع. وفيما ذكر أبو الحسن من عموم لفظ المحل نظر، لأنه ليس من ألفاظ العموم.
وقد اختلف إذا لم يجد المحصر الهدي هل يجوز له أن يحل أم لا؟
فذهب أبو حنيفة إلى أنه لا يجوز له أن يحل حتى يجد الهدي فيذبحه أو يذبح عنه. وقال الشافعي يتحلل ويذبح متى قدر فإن لم يقدر أجزأه وعليه الإطعام والصيام وقاسه على هدي التمتع. واحتج محمد بن الحسن بأن هدي التمتع منصوص عليه، وهدي المحصر كذلك ولا تقاس المنصوصات بعضها على بعض. وذكر غيره أن إصبات الكفارات بالقياس لا يجوز. وقال أبو الحسن: ووجه الجواب عن هذا بين. واختلفوا إذا صده
العدو عن حج التطوع فحل هل عليه قضاء أم لا؟ فعندنا لا قضاء عليه، وعدن أبي حنيفة عليه القضاء مع عمرة.
وقال مجاهد، والنخعي، وعكرمة عليه القضاء ولا عمرة عليه مع ذلك واحتج أبو حنيفة بأن آية الإحصار نزلت عام الحديبية، ورسول الله صلى الله عليه وسلم معتمر وقضى العمرة من قابل، وسميت عمرة القضاء، ولو صده عن حجة الفريضة فهل تسط عنه حجة الفريضة أم لا؟ اختلف في ذلك على ثلاثة أقوال فذهب أكثر أهل المذهب إلى أنه تسقط عنه حجة الإسلام وعليه القضاء. وقال ابن الماجشون من أصحاب مالك: إذا صد بعد أن أحرم بحجة الفريضة وحل سقط عنه الفرض. وحكى الداودي عن أبي بكر الثعالبي أن الفرض يسقط عنه إذا أراد الحج وصده العدو إن لم يحرم. وأظن أنه حكاه عن أحد أصحاب مالك. وظاهر قوله تعالى: {فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي} على تأويل من تأوله إحصار العدو، وأنه لا قضاء عليه، لأنه إنما وجب عليه الهدي خاصة ولم يوجب عليه سواه، وهذا لا حجة فيه لأن القضاء قد سكت عنه في إلىية، وإنما يؤخذ وجوبه أو سقوطه من دليل آخر.