وقد اختلفوا في أي موضع يكون الاعتكاف على خمسة أقوال، فذهب مالك رحمه الله في المشهور عنه إلى أنه يكون في كل مسجد، وأنه لا بأس بالاعتكاف في مسجد لا يجمع فيه الجمعة إذا كان ممن لا تلزمه الجمعة، ولو بموضع لا يلزمه منه إتيان الجمعة، أو كان لا تدركه الجمعة في اعتكافه. وذهب الزهري والحكم وغيرهما إلى أنه لا يعتكف إلا في حذيفة. وذهب حذيفة بن اليمان في الأشهر عنه إلى أنه لا يعنكف إلا في المساجد الثلاثة: المسجد الحرام، ومسجد النبي صلى الله عليه وسلم، ومسجد إبراهيم -عليه السلام-. وذهب سعيد بن المسيب إلى أنه لا يعتكف إلا في مسجد نبي. وذهب ابن لبابة إلى أن الاعتكاف يصح في غير مسجد، وأن ترك مباشرة النساء لا يلزم المعتكف إلا إذا اعتكف في مسجد. وهذا قول
شاذ مبين على أصل مختلف فيه. وهو دليل الخطاب لأن الله تعالى إذا نهى عن المباشرة لمن اعتكف في غير المسجد، فكأنه يظهر من ذلك أن من اعتكف في غير مسجد فتباح له المباشرة، وإن اعتكافه جائز في غير المسجد. وقد جاء عن عائشة أنه يعتكف وحجة مالك قوله تعالى: {وأنتم عاكفون في المساجد} فعم الثلاثة وغيرها. والمرأة لا تعتكف إلا في مسجد قياسًا على الرجل خلافًا لأبي حنيفة في قوله لا تعتكف المرأة إلا في مسجد بيتها، وفرق بينهما بتفاريق ضعيفة.
وقد اختلفوا في الاعتكاف بغير صوم هل يصح أم لا؟ فذهب مالك وأصحابه وأبو حنيفة إلى أنه لا يكون اعتكاف إلا بصوم، وحكى ابن جرير الطبري عن الشافعي فيالمشهور عنه أبو ثور وغيرهما إلى أن المعتكف يخير بين الصوم والفطر وإليه ذهب ابن لبابة رحمه الله.
وحجة القول الأول قوله تعالى: {وأنتم عاكفون في المساجد} فقصر الخطاب على الصائمين، فلو لم يكن الصوم من شرط الاعتكاف لم يكن لذلك معنى، ولأن أكثر ما فيه أن يكون مجملًا، وقد بينه النبي صلى الله عليه وسلم بفعله، فروي عنه أنه اعتكف صائمًا، ولم يرو عنه أنه اعتكف مفطرًا.
وقد اختلفوا في المعتكف إذا خرج إلى الجمعة هل ينتقض اعتكافه. فذهب مالك إلى أنه ينتقض، وذهب عبد الملك إلى أنه لا ينتقض وهو قول أبي حنيفة. وروى ابن الجهم نحوه عن مالك. وحجة القول الأول قوله