يدل على ما قلناه من أن الآية إنما أريد بها المسلمون الأحرار لأن العبد لا يتصدق بدمه، لأن الحق في ذلك لسيده، والكافر لا تكفر عنه صدقته ولو صححنا هذه العمومات وفرضنا هذه الآية أن النفس بالنفس فس شرعنا لوجب أن يخصص العموم المقتضي قتل الحر بالعبد، والحرة بالأمة بقوله عز وجل: {كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد} الآية [البقرة: 178] ويخصص من ذلك قتل المسلم بالكافر لقوله صلى الله عليه وسلم: (( لا يقتل مسلم بكافر ) )وقد تقدم في غير ما موضع في هذا التخصيص من الخلاف، ومما احتج به عبد الوهاب، وكأنه رآه مخصصًا للعموم قوله تعالى: {ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلًا} [النساء: 141] وقوله صلى الله عليه وسلم: (( المسلمون تتكافأ دماؤهم ) )الحديث. ومما احتج به من قال بالعموم ورأى قتل المسلم بالكافر الذمي ما رواه البيلماني، ومحمد بن المنكدر، من أن النبي صلى الله عليه وسلم أقاد مسلمًا بكافر، وقال: (( أنا احق من وغى بذمته ) ). وحديثهما مرسل لم يلقيا رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وكذلك تأول قوله -عليه الصلاة والسلام- في خطبته يوم فتح مكة، وقد كان رجل من خزاعة قتل رجلًا من هذيل بذحل الجاهلية. فقال -عليه السلام- في خطبته: (( ألا كل دم كان في الجاهلية فهو موضوع تحت قدمي هاتين لا يقتل مؤمن بكافر ولا ذو عهد في عهده ) )على أنه عنى بالكافر فيه الحربي والمعاهد إلى مدة ولم يعن الذمي لأنه مذكور مع قوله -عليه السلام-: (( كل دم كان في الجاهلية فهو موضوع تحت قدمي هاتين ) )في خطاب واحد من حديث عمرو بن شعيب، قال: فهو كلام يفسر بعضه بعضًا. وذكر عن أهل المغازي إن عقد الذمة على الجزية إنما كان بعد فتح مكة فلم يكن يومئذ ذمي ينصرف
الكلام إليه، وإنما كان ثم ضربان: أهل عهد حرب إلى مدة فانصرف الكلام إلى الضربين، وورد هذا الحديث أيضًا في خطبة الوداع، بيطل هذا التأويل جملة، ومما يبطل هذا القول أيضًا أنه لم يرد ما يخصص العموم لتخصص قتل المسلم بالذمي بقياسه على الحربي والمعاهد المتفق عليهما، وإن كان في التخصيص بالقياس خلاف.