وبحسب هذه الاحتمالات التي تجاذبها المفسرون اختلف العلماء في العاصي بسفره هل يحل له أكل الميتة أم لا؟ إذا اضطر؟ فالمشهور عند مالك أنه يحل له ذلك، وفرق بينه وبين القصر والفطر. وروى زياد بن عبد الرحمن الأندلسي، عن مالك: أن العاصي بسفره يقصر الصلاة ويفطر في رمضان ويأكل الميتة إذا اضطر. فسوى بين ذلك كله وبه قال أبو حنيفة. وقال ابن حبيب ومالك: إنه لا يحل أكل الميتة من ضرورة، وعن الشافعي القولان. ويشهد للقول بحلية ذلك له قوله تعالى: {ولا تقتلوا أنفسكم} [النساء: 29] وعموم قوله تعالى: {إلا ما اضطررتم إليه} [الأنعام: 119] قال أبو الحسن: وليس أكل الميتة عند الضرورة رخصة، بل هو عزيمة واجبة ولو امتنع من أكل الميتة كان عاصيًا. كذا قال. وفي (( البسيط ) )عن الشافعي هل يجب الأكل؟ ولا يجب ويجوز الاستسلام قولان. وقد قال مسروق: من اضطر إلى الميتة ولم يأكلها، فمات دخل النار. قال ابن عبد البر: فهو
فرض عليه، عليه جماعة من علماء السلف والخلف. وأما ظاهر الآية فإن فيها رفع الحرج في الأكل، وهو يدل على الإباحة لا على الوجوب، لكن الوجوب على القول به يتلقى من وجه آخر. قال أبو الحسن: ليس أكل الميتة من رخص السفر أو متعلقًا به، بل هو من نتائج الضرورة سفرًا أو حضرًا، وهو كالإفطار للحاضر المقيم إذا كان مريضًا، كالتيمم للحاضر والمسافر عند عدم الماء وهو الصحيح عندنا. وقال ابن حبيب: إذا وقع الاضطرار في الحواضر فيسأل ولا يأكل الميتة، وهذا من باب تخصيص العموم بالعادة. واختلف في قدر ما يأكل المضطر منها؛ ففي (( الموطأ ) )أنه يأكل حتى يشبع، وقال ابن حبيب وعبد العزيز بن الماجشون: يأكل ما يقيم رمقه. وبه قال الشافعي، وأبو حنيفة، وحكاها القاضي أبو محمد رواية، وقد قيل: من تغدى لم يتعش، ومن تعشى لم يتغد. وروى ابن حبيب نحوه عن الماجشون. وتوجيه هذين القولين مما تقدم بين. واختلف في هذا الشرط من الاضطرار في إباحة هذه المحرمات، هل يعود على جميعها أو على ماعدا الخنزير، فقيل: هو عائد على الكل. وقيل: هو عائد على ما عدا الخنزير.