وقال تعالى بعد قوله: (فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ) ، (وَلا تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً) ، فلو كان المرض مذكورا فِي أول الآية ، لم يذكر المرض بعده ، وإذا ذكر المرض فِي أول الآية ، وكان يحل بذلك الدم المذبوح فِي محله ، لم يكن يحتاج إلى فدية.
ولا يجوز أن يكون المرض ها هنا هوام الرأس ، فإنه ذكر ذلك بعد المرض فقال: (مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ) .
ولهم أن يقولوا: لعله أباح ذلك قبل أن يبلغ الهدى محله ، إذا حلق للأذى والمرض ، أو عنى به مرضا لا يمنعه من الوصول إلى البيت ، وإلا فأي معنى لذكر المرض عند ذكر الإحلال ، وحكمه عند عدم الإحلام يثبت؟
ويحتمل على موجب مذهب أبي حنيفة أن قوله: فمن كان منكم مريضا ، عائدا إلى أول الخطاب ، كما عاد إليه حكم الإحصار وهو قوله: (وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ) ، ثم عطف عليه قوله: (فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ) أي صددتم عن الإتمام ، ثم عقب بقوله (فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ) . يعني أيها المحرمون بالحج والعمرة ، ليكون على هذا الرأي مثبتا حكم المريض ، إذا صد عن الإتمام أن الذي يجب عليه ما استيسر من الهدي ، وأنه إن لم يكن المريض ممنوعا من الإتمام ، فحكمه كذلك ، ليكون قد بين حكم المرض دون الإحصار ، والمرض عند الإحصار ..
فقيل لهم: فقد قال: (فَإِذا أَمِنْتُمْ) ، وذلك إنما يطلق على العدو لأن الأمن نقيض الخوف ، ويقال فِي نقيض المرض الشفاء.