الْحُرْمَةَ الَّتِي كَانَتْ مَنَعَتْهُ مِنَ الْحَلْقِ قَدْ ذَهَبَتْ قَبْلَ ذَلِكَ، وَأَنَّهُ حَلَقَ حِينَ حَلَقَ وَهُوَ حَلَالٌ كَمَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، لَا كَمَا قَالَ الْآخَرُونَ، وَهَذَا قَوْلٌ قَدْ رُويَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ، وَإِنْ كَانَ الْمَشْهُورُ عَنْهُ خِلَافَهُ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: لَوْ كَانَ كَمَا ذَكَرْتَ لَكَانَ لَا مَعْنًى لِلْحَلْقِ إِذَا كَانَ الْحَاجُّ قَدْ صَارَ حَلَالًا، بِرَمْيِهِ جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ وَإِنْ لَمْ يَحْلِقْ، إِلَّا مِنَ النِّسَاءِ خَاصَّةً وَلَمَا كَانَ لِلْحَلْقِ الَّذِي يَفْعَلُهُ فَضْلٌ عَلَى التَّقْصِيرِ الَّذِي يَفْعَلُهُ مِثْلُهُ، كَمَا لَا يَفْضُلُ الْحَلَالُ إِذَا حَلَقَ غَيْرَهُ مِنَ الْمُحِلِّينَ إِذَا قَصَّرُوا قِيلَ لَهُ: بَلْ لِلْحَلْقِ فِي هَذَا أَكْثَرُ مَعْنًى، وَهُوَ أَفْضَلُ مِنَ التَّقْصِيرِ لِلْحَاجِّ بَعْدَ رَمْيِهِ جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ، لِأَنَّهُمَا سَبَبٌ مِنْ أَسْبَابِ النُّسُكِ يُفْعَلَانِ بَعْدَ الْخُرُوجِ مِنَ الْإِحْرَامِ وَزَوَالِ الْحُرْمَةِ وَارْتِفَاعِهَا، لِأَنَّهُ قَدْ رَأَيْنَا بَعْضَ أَسْبَابِ الْحَجِّ يُفْعَلُ بَعْدَ الْخُرُوجِ مِنَ الْحَجِّ، وَالدُّخُولِ فِي الْإِحْلَالِ، وَهُوَ طَوَافُ الصَّدَرِ، يَفْعَلُهُ الْحَاجُّ بَعْدَ خُرُوجِهِ مِنْ إِحْرَامِهِ، لِأَنَّهُ شَبِيهٌ لِمَا كَانَ فِيهِ مِنْ إِحْرَامِهِ، وَإِنْ كَانَ تَرَكَهُ كَانَ عَلَيْهِ الدَّمُ فِي تَرْكِهِ، وَلَمْ يُجْعَلْ فِي حُكْمِ الطَّوَافِ الَّذِي تَرَكَهُ الْحَلَالُ عِنْدَ خُرُوجِهِ مِنْ مَكَّةَ، وَلَمْ يَكُنْ مُحْرِمًا قَبْلَ ذَلِكَ فَثَبَتَ بِمَا ذَكَرْنَا مَا رُوِّينَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي هَذَا الْمَعْنَى ثُمَّ رَجَعْنَا إِلَى قَوْلِ الَّذِينَ قَالُوا: يَحِلُّ لَهُ إِذَا رَمَى وَحَلَقَ كُلُّ شَيْءٍ إِلَّا النِّسَاءَ وَالطِّيبَ، وَإِلَى قَوْلِ الَّذِينَ قَالُوا: يَحِلُّ لَهُ كُلُّ شَيْءٍ إِلَّا النِّسَاءَ خَاصَّةً، فَوَجَدْنَاهُمْ لَا يَخْتَلِفُونَ أَنَّهُ بَعْدَ رَمْيِهِ وَحَلْقِهِ فِي بَقِيَّةِ يَوْمِ النَّحْرِ حَلَالٌ لَهُ