قال الله عزَّ وجلَّ: (قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ)
الأم: من كتاب جماع العلم (التكليف بالاجتهاد فِي التأخِّي لما أمر بطلبه)
قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: وشطره: قصده ، وذلك تلقاؤه ، قال: أجل .
قلت (أي: الشَّافِعِي) وقال سبحانه: (وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ) الآية.
وقال: (وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ) الآية.
وخلق الجبال والأرض ، وجعل المسجد الحرام حيث وَضَعَه من أرضه ، فكلّف خلقه التوجه إليه:
1 -فمنهم من يرى البيت فلا يسعه إلا الصواب بالقصد إليه.
2 -ومنهم من يغيب عنه ، وتنأى داره عن موضعه ، فيتوجه إليه بالاستدلال
بالنجوم ، والشمس والقمر ، والرياح ، والجبال ، والمهاب ، كل هذا قد
يستعمل فِي بعض الحالات ويدل فيها ويستغني بعضها عن بعض.
قال: هذا كما وصفتَ ، ولكن على إحاطة أنت من أن تكون إذا توجهت
أصبت ؟ قلت: أما على إحاطةٍ من أني إذا توجهت أصبت ما أكلف ، وإن لم
أكلف أكثر من هذا فنعم.
قال: أفعلى إحاطةٍ أنت من صواب البيت بتوجهك ؟ قلتُ: أفهذا شيء
كلفت الإحاطة فِي أصله البيت ؛ وإنَّما كُلفت الاجتهاد.
قال: فما كُلفت ؟ ، قلتُ: التوجه شطر المسجد الحرام ، فقد جئت
بالتكليف ، وليس يعلم الإحاطة بصواب موضع البيت آدمي إلا بعيان ، فأمّا ما غاب عنه من عينه فلا يحيط به آدمي.
قال: فنقول: أصبت ؛ ، قلتُ: نعم ، على
معنى ما قلتَ أصبتُ ما أمِزتُ به . فقال: ما يصح فِي هذا الجواب أبداً غير ما أجبتَ به ، وإن من قال: كلفت الإحاطة بأن أصيب ، لزعم أنه لا يصلي إلا أن
يحيط بأن يصيب أبداً . وإن القرآن ليدل كما وصفت على أنه إنما أمر بالتوجه إلى المسجد الحرام.