الصفحة 23 من 26

بِالسُّوَءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلاَّ مَن ظُلِمَ) [1] . فالمحزن أن مفهوم حرية التعبير شاع مقلوبًا في أذهان عدد كبير من حملة الأقلام، فظنوه لا يعدو إرسال الكلام على عواهنه، وتسويد الصفحات بضروب من الهذر تضر ولا تنفع، وكأن الشيطان ركب رؤوس هؤلاء القوم، ووجد في أقلامهم متنفسه، فلا ترى فيها إلا كل ما حظره الإيمان من الوقيعة والنميمة، والغيبة والتجسس والشماتة، وإشاعة الفحش والرذيلة وهذا إلى جانب صرف الناس عن الجادة، وإغرائهم بالمتالف والمزالق وصدهم عن الحق والفضيلة والشرف، ولا يمكن عد هذه المسالك من حرية الكلام، بل هو من حرية الفسوق والتدمير، وعلى الأمة كلها أن تحظر عقباه. ومن المؤسف حقًّا: أن جل المتحدثين باسم الثقافة من أهل الاجتماع أو القانون، يتحدثون عن الحرية كشعار فقط، دون أن يبينوا دور الحرية في حياة الناس، والأثر الإيجابي الذي يعود عليهم من تطبيق هذا المبدأ.

ومن خلال مراجعتي لعدد كبير من الصحف والمجلات، لم أجد مقالًا أو بحثًا تناول حرية الخطاب الديني في التعبير أو حرية الدعاة في التعبير عن الرأي الديني، والنقد البناء للمسرح السياسي، والاقتصادي، والتربوي للأمة مع أن هذا النوع من الحرية: يحوي بين طياته سائر الحريات سواء أكانت سياسية أم اقتصادية أم اجتماعية، ويضمن لها الظهور والتطبيق في المجتمع الإنساني. وفي غياب حرية هذا الخطاب لا يرى الناس إلا الظلم والاستبداد، وهي الرؤية التي يختارها المستبد، وينقلها عنه المستبدون الصغار، ويرددها المنافقون، والخائنون ليل نهار، حتى تلونت الحياة بلون واحد، وتفسر الظواهر كلها على النحو الذي يراه الحاكم الفرد، فلا يتجاسر عالم ومفكر على أن يفكر بعقله هو، أو يرى بعينه هو أو يعلن موقفًا من الأمور العامة يخالف إجماع الخائفين المسبحين ليل نهار بذكاء المستبد وفطنته، ونفاذ بصيرته، إذ إن الجموع الخائفة من الناس ترى هذه الجسارة في مخالفة الحاكم في رأيه مغامرة قد يصيبهم بلاؤها، ومدخلًا لموجات جديدة من القهر والظلم لا قبل لهم بدفعها، ولا صبر لهم على تحملها، والنتيجة الحتمية لذلك: أن تسير الجماعة كلها على رأي حاكمها الفرد، وأن يجمد الفكر، ويقل الإبداع، ويتعرض العمل العام كله للعثرات نتيجة غياب النقد البناء للخطاب الديني الذي يوجه ويبصر ويثري التجربة.

(1) - سورة النساء: 148.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت