فهرس الكتاب

الصفحة 2002 من 5287

دعوة الحق، س.3، ع 4 /أكتوبر 1960 ص 51

للأستاذ: بيير بوتي

تعريب الأستاذ محمد الدكالي

إذا نظرنا للمغرب على ضوء العوامل التي يشترط العلم الحديث توفرها في جماعة من الناس ليصبحوا جديرين بان يوصفوا بأنهم أمة من الأمم، فإننا نجد هذا القطر موطنا لأمة توفرت فيها جميع العوامل التاريخية والجغرافية والاقتصادية.

وقد يبدو للملاحظ الغير المدقق أن الأمة المغربية خليط من أناس مختلفة عناصرهم يسكنون عمالات متباينة ومتناقضة مصالحها، ويتحدثون بلغات مختلفة، ولكنه لا يكاد يمعن النظر في أمر هذه الأمة حتى تتجلى له تلك العناصر متكاثفة متراصة، ممتزجة بعضها في بعض، مكونة لوحدة منسجمة متناسقة. ولئن أمعن التحقيق والتدقيق لوجد أن هذه الأمة قد انبثقت من إرادة وتصميم أهلها على أن يكونوا أمة قائمة بذاتها. ومن هذه الوحدة استمدت في الغابر والحاضر من الأزمان قوتها التي تتجسم اليوم في عاملين قويين: ديانتها وملكها، فمن فلسفة تلك الديانة ومن وجود حياة هذا الملك تغترف الأمة اليوم ما هي في حاجة إليه، من روح الحماس والتضحية لاستكمال تحررها.

وإن من ينظر إلى معركة التحرر المغربي ليرى أن النصر ما كان ليحالفها لولا وجود العاملين معا: الدين والملك، فالدين هو الذي جمع هذه الأمة عن بكرة أبيها وألف بين قلوبها فتجسمت في شخص هذا الملك الذي يقوم اليوم بأثقال عبء ثقيل مزدوج، عبء السهر على رسالة جده (صلى الله عليه وسلم) وعبء الملكية وما تقتضيه من السهر على المصالح الحيوية. وقد قدر الشعب من نفسه وعن دياته ضخامة هاتين المهمتين الروحية والزمنية فتوثقت العروة بينه وبين عاهله وجعل منه رمزه وممثله المعبر عن مطامحه وإراداته. وبفضل ذلك انفتح الباب على مصراعيه نحو التحرر التام الكامل.

ولو لم تكن الوحدة العربية وحدة زوجية قبل كل شيء آخر لتعرضت لأنواع شتى من أخطار الضغط الداخلي والخارجي، وهي أخطار رأيتها تأخذ صورا وأشكالا متعددة ورأيناها تأتي أحيانا مباشرة سافرة وأخرى ملتوية مقنعة، ولكنها لا تكاد تظهر وتطفو حتى تنمحي وتغيض. ومرجع ذلك أن هذه الوحدة لا تجمع الناس حول ملكية أبوية حنونة فحسب بل تجمعهم إلى جانب هذا حول عقيدة دينية، حول الإيمان بالله، حول القرآن الذي هو أوثق رابطة بين أبناء الوطن المغربي.

قيل إن وحدة الوطن لا تحتاج إلى وحدة الدين دعامة لها، وإنها وحدة قائمة بذاتها، تبرز باردة سكان الوطن. وقد يصدق هذا القول حين تؤخذ لبنان مثالا له وشاهدوا عليه، ففي ذلك القطر أكثرية من المسيحيين. وقد يصدق ذلك القول كذلك حين يؤتي له بالأمثلة من الأقطار الغربية التي انقسمت فيها الديانة المسيحية إلى شقين كبيرين يقومان على هامش الجماهير الضخمة التي لم تعد تعنى ولا تحفل بهما ولا حتى بالملحدين الذين تنكروا للفكرة الدينية من أصلها. إننا لا نعدم في تلك الأقطار الأمثلة على قيام الوحدة من غير أن تكون في حاجة إلى الاعتماد على الدين والعقيدة.

ولكن من حقي أن أرد على أصحاب ذلك القول بان المغرب شيء والأقطار التي يمثلون بها شيء آخر، أن الإسلام هو الرابطة الوحيدة التي تجمع بين المغربي وبقية مواطنيه، إن وحدة اللغة شيء ثانوي في المغرب بالنسبة للعقيدة الإسلامية التي هي في الواقع أساس المواطنة في الوطن المغربي. وأن هذه العقيدة هي التي توقظ الشعور في نفوس أهل هذه الأمة، وهي التي تحيي وتحرك ضمائرهم، وهي التي ترتفع بأرواحهم إلى سمو لا يرقى إليه من لا يتخذ إلا اللغة أو الجنس سلما.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت