فهرس الكتاب

الصفحة 2001 من 5287

مصالحه بمصالحها وساهم مساهمة مشكورة بطبه في إبادة الأمراض وبهندسته في شق الطرق وبناء المراسي وإنشاء السدود والخزانات. ذلك لأن هذا النوع من التثقيف والإعداد على ما فيه من فائدة لا يكفل اللقاح المطلوب للغتنا المنبعثة وثقافتنا الناشئة ولن يفي أبدا بنصيبه من الجهد في تحقيق الغاية المبتغاة. من هذا تتبين حاجيتنا الشديدة إلى تكوين مزدوج لجيل الانتقال حتى يصبح قادرا على النهوض بالمهمة التي نهض بها سلفه فكان عمله المحمود في ترجمة ذلك التراث القيم وتنميته بنتاجه في العلوم والآداب والفنون مشاركة هامة في نشر لواء الحضارة العربية والتيسير لعصر النهضة فعصر التنوير بأوربا المسيحية فيما بعد.

وأول ما تطالب به دولة تحرص على أن يحترمها الغير هو أن تسارع إلى احترام نفسها بإقرار حرمة لغتها القومية وجعلها لغة الإدارة والمعاملة والعلم والفن والأدب جميعا. ولنا في بعض الدول الصغيرة والحديثة العهد بالوجود وعملها لإحياء لغاتها الميتة إلى عهد قريب ما يقيم علينا الحجة في أن ما ننتحله من التعليلات ونختلقه من الأسباب أمور لا تقوى أمام العزيمة القوية والإيمان الصادق. وعمل «إسرائيل» في فرض العبرية على اليهود النازحين إليها من مختلف أقطار الأرض قبل تمكينهم من مزاولة عمل من الأعمال وسهر رجالها على تطعيم لغتهم وفتح الآفاق أمامها حتى أصبحت اليوم في عدا اللغات الحية الراقية ظاهرتان تستحقان كل إكبار سواء رضينا أم لم نرض. وكلنا نعلم أن اليهود هم أكثر الناس تشبعا بثقافات الغير وأبرزهم في الإحاطة بها والإنتاج فيها. ومع ذلك فلم يصرفهم إعجابهم بتلك الثقافات وتمكنهم من لغاتها عن البرور بلغتهم ليقينهم القوي بأن القومية الصحيحة السليمة لا تنشأ وتقوى إلا في ظل لغة قومية منتعشة أيضا.

ونتيقن بالنظر إلى الاعتبارات السالفة من أن حاجتنا إلى وضع تصميم ثقافي لغوي لا تقل بأي حال عن حاجتنا إلى هذه التصميمات التي نختطها في ميادين العمل الأخرى سعيا في تحقيق النهضة الشاملة المرجوة. فعلى من عرضت عليهم أمانة إعداد الأجيال المقبلة فحملوها أن يضعوا تصميما منجما في مراحله لبلوغ المسعى المنشود ويستندوا القلة الموجودة الآن من الأكفاء ويساعدوها على القيام بما يعين على انتعاش العربية بهذه البلاد. فليس في المستطاع أن يستوي في الجسم الواحد عقل يفكر بخلاف ما ترضى عنه النفس ويطمئن إليه القلب. وقد شاءت سنة الكون أن ينقاد السلوك لمشيئة الفكر أكثر مما سبق لوحي الضمير. وسلوك الجماعة وسلوك الأمة كسلوك الفرد لا يكون مستقيما إلا إذا كان هناك تجاوب بين العقل المدبر والقلب المطمئن الرضي. فمما ينذر بسوء المصير أن تستأثر بالتوجيه قلة لا يوجد أي تجانس بين تفكيرها وبين إحساس جمهور الأمة.

إن من العقوق أن لا نهتم بهذا التراث القيم الذي خلفه الآباء والأجداد ولا نتعهده بالإحياء والتنمية. ومن جحود فضل السابقين أن نرتد عن الوجهة التي اقترنت صحائفنا الغر في كتب التاريخ لنتيه في تجربة لن تؤدي بنا -ولو كتب لها النجاح- إلا إلى إحداث القطيعة القومية بتنشئة طبقة من المسيرين يعيشون عالة على الغير في تفكيرهم وينساقون بسهولة إلى التأثر بإحساساته والاقتناع بصحة مراميه وفائدة أهدافه. وستكون تلك النشأة وهذا الانسياق ردة نحن مسؤولون عنها أمام تاريخنا وأمام لغتنا وكتابها المقدس.

إن صيانة القيم الروحية تستعجلنا إلى سلوك هذا النهج الذي يستجيب لوحي ضمائرنا وإملاء الدم الساري في عروقنا والمحرك لمجامع أضغاننا. وصيانة تلك القيم الخالدة تقضي بوضع تصميم قار لبعث اللغة العربية وإنعاشها بهذه الديار التي يحرص شعبها على أن يبقى عربي اللسان إلى أن يلقى الله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت