فهرس الكتاب

الصفحة 4100 من 5287

دعوة الحق، س5،ع6/ مارس 1962 ص 55

للأستاذ: عبد العلي الوزاني

كثيرا ما نقرأ ونسمع المحاولات النقدية للأعمال الأدبية، فنرى أصحابها يسارعون إلى إصدار أحكامهم الأدبية الجازمة وكأنها القول الفصل الذي لا مرد عليه، وقل أن نرى منهم من يحتاط لنفسه ويتحرى الدقة والتريث في التحليل، حتى ينتهي إلى الحكم الذي يأتي كالنتيجة الطبيعية لما سبقه من مقدمات أو كالمرحلة النهائية التي تستريح عندها النفس والفكر بعد جولة في مطاوي العمل الأدبي وما فيه من دروب العقل أو معارج العاطفة، فما أشد شغف النقاد بالوصول سريعا إلى إبقاء الحكم الأدبي على العمل الأدبي يانع غث أو سمين، رفيع أو وضيع، وكان الحكم غاية يقصد لذاته، ليؤكد لنا أن للناقد رأيا يجب أن نعرفه في الآداب والفنون، وما أشد ما نضيق بهذه السرعة وهذا الارتجال في إصدار الأحكام، ذلك أنها تفوت علينا لذة التحليل الفني العميق الهادئ، وتحرمنا متعة التعرف إلى شخصية الأديب المنتج، والجو النفسي الذي تهيأ له فيه أن يقول قصيدته، أو يكتب قصته أو مقالته، طالما أن هذا هو المفتاح الذي نفتح به تغاليق الأثر الأدبي، فنغوص إلى أعماقه وأبعاده النفسية والفكرية، ففي اعتقادي أن الناقد يخطئ عندما يستأثر بمتعة القراءة النقدية المتأنية، حتى إذا فرغ منها ألقى إلينا بحكمه النهائي، إذ فاته أننا لا يمتعنا شيء كما يمتعنا أن يشركنا معه في قراءته، وتفاعله مع الأثر المنقود، وأن يأخذ بيدنا ليضع أصابعنا على نواحي القوة ونواحي الضعف في أعمال الأدباء.

ونحن لا نبعد إذا قلنا أن التسرع في إصدار الأحكام علامة على ضعف الوسائل، وعدم استكمال الأداة النقدية الصحيحة، فأشد النقاد ولعا بإصدار الحكم قبل التريث والأناة وحسن التأني، هم أولئك الذين يخطون الخطوات الأولى في ميدان النقد الأدبي، ولكن كثيرا ما نرى حتى النقاد الذين تقادم العهد بهم، لم يتخلصوا من هذه السذاجة، سداجة السرعة في إصدار الأحكام، إما لأنهم لم ينموا ثقافتهم النقدية وإما لأنهم لا يحترمون القارئ، فما أن يتناولوا عملا أدبيا بالنقد حتى يبادروا إلى الانتهاء منه بعد نظرة جد سريعة.

أما بعد، فإن هذا الذي نسميه (حكما أدبيا) يعد في عرف نقاد الأدب أمرا خطيرا يخضع لمؤثرات وعوامل معقدة، ويترك آثارا كثيرة في التاريخ الأدبي، ولهذا سنحاول أن نوضح بقدر الإمكان خطورة الحكم الأدبي وما يكتنفه من عوامل، ويحيطه من ملابسات، وما يتأثر به من ظروف.

إن الحكم على الأشياء المادية المحسوسة سهل ميسور، فما أيسر أن نرى امرأة فنحكم بأنها جميلة أو غير جميلة، وما أسهل أن ندخل إلى حديقة وبمجرد أن نشملها بنظرة نحكم بأنها رائعة أولا، وقل هكذا في جميع المحسوسات، ذلك لأنها نتصل بها اتصالا مباشرا عن طريق الحواس، وسرعان ما تنشئ فينا أثرا واضحا يقذف إلى لساننا بالحكم للشيء أو عليه، ولكن تعال لننظر إلى الأمور المعنوية كالأدب، فإننا سنجد أن الإحاطة بخصائصها ومميزاتها -وهي ضرورية للحكم- في منتهى التعقيد والغموض، وأن التفاعل معها يحتاج إلى قوى روحية وفكرية أعمق وأبعد مدى، ومن تم جاءت كثرة اختلافات الأدباء والنقاد في المذاهب والاتجاهات، فالأمر يتعلق بالمعنويات، وهي مما يتفاوت الناس تفاوتا كبيرا في تصوره والشعور به، والاستجابة له، والحكم عليه، أضف إلى ذلك أن رصيد القارئ للأدب من التجاريب، له أثر كبير في مدى ما يعنيه النص الأدبي بالنسبة إليه، فالناقد ذو الرضيد الضخم يدرك من النص الأدبي أعمق أسراره، ويشعر بأدق نواحيه الفكرية والعاطفية، وهذا ما لا يستطيعه الناقد المتوسط الرصيد والضئيل الرصيد، وإذا قلت

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت