دعوة الحق، س.3، ع 4 /أكتوبر 1960 ص 30
للأستاذ: محمد بن تاويت
إذا كانت العربية قد اتصلت في عنفوان شبابها بالفارسية فاستفادت وأفادت -شأن الكائن الحي النشيط- فإن هذه العربية وقد اتصلت بالتركية أو اتصلت هذه بها لم تستفد من التركية لا كثيرا ولا قليلا، وإنما استفادت هذه منها في كل شيء.
ذلك أن العربية إذا ما استفادت من الفارسية -على بون ما بينهما من اختلاف جنسي- فإن هذه كانت لغة حضارة راقية لها مقوماتها الأدبية المتينة فكان من الطبيعي أن تستفيد منها العربية وتقتبس من نورها الوهاج كما كان من الطبيعي أن تبث هذه العربية الشابة فيها حرارة الشبان وأن تبعثها من جديد فتنشا لغة جديدة قد نفضت عنها غبار الشيخوخة المثقلة بأعباء الدهور وأوكار التقاليد.
أما التركية فلم تكن -إزاء الفارسية- بشيء من ذلك، ليست لها لغة حضارة راقية، ولا أدب رفيع مدون، وإنما كانت لغة قبائل رحل تدفع بهم أفراسهم إلى أقاصي المعمور وتقذف بهم أواسط أسيا «منطقة الفرس» -كما في الاصطلاح الجغرافي- مغيرين متسلطين، لا مثل عليا يحملونها إلى هذه الجهات النائية، ولا مشعل دين ينيرون به ظلماتها، ولا أدب رفيع يرددون ألحانه في جنبات تلك البلاد، وإنما هم مهاجرون كاسحون طالبون للرزق مغتصبون للبلاد. لهذا لم تستفد منهم البشرية لا في عقولها ولا في وجدانها، فلم يكن هناك داع لتلتفت إليهم الأبصار وتتوجه إليهم الأنظار وتتحول الألسن لتتلمظ ببعض الأساليب أو الكلمات، خصوصا ولا علاقة جغرافية أو تاريخية كانت تربط بين الأمتين ولا عقلية متقاربة ولا أذواق مستساغة، ثم هذا البون الشاسع في تركيب الجملة تركيبا ينقلب بها رأسا على عقب، ومن حق أن يصدر هذا الحديث «اتركوا الترك ما تركوكم» ففيه أكثر من مغزى سواء صح أم لم يصح، فالعنصر العربي بمقوماته -ومنها اللغة- لم يستفد من هؤلاء شيئا ولم يستفد الدين نفسه إلا استفادة في الظاهر، أما في الباطن فقد كانت تلك الاستفادة عائدة على الأتراك أنفسهم، وعن استغلال مجرد أو غير مجرد توسلوا بالدين فانتشروا في بقاعه ومدوا سلطانهم بواسطته فتمكنوا من عوالم لولاه ما كانوا ليتمكنوا منها ولا كان في يدهم سيف باتر لو لم يستلوه من غمد الدين، بعدما أصابه منهم ما أصابه ..
لقد اتصل بهم الإسلام وحمل إليهم شحنة الحضارة ومصباح النور الإنساني وما تفتحت أعينهم على أضوائه الباهرة حتى كانت الهجرات إلى قلب الخلافة وحتى تمكنوا في أمد قصير أن يتقلدوا محاملها وينالوا من المعتصم ثقته بهم واعتماده عليهم في تسيير الجحافل وتنظيم الخطط الحربية وسرعان ما تعدوا ذلك إلى أن قبضوا على الخلائف أنفسهم إلى أن صار هؤلاء في أيديهم لعبة لاعب فلم يرعوا فيهم -كما رعى الفرس- إلا ولا ذمة وفقدت الخلافة حرمتها وخارت قوائمها إلى أن كانت كارثة أولئك الذين خلفوهم وراءهم، كارثة التتار والمغول أبناء أعمامهم.
لنعد على أمجادهم الإسلامية فيما مضى فنجد منها دولة الغزنويين التركية، لقد عملت هذه الدولة -وعلى رأسها محمود- كثيرا من الأعمال في الفتوح والحضارة، ولكن في هذه الناحية بالذات ألم تكن الحضارة قائمة على أكتاف الفرس أو لم تكن الآداب التي انتعشت في عهدهم هي الآداب الفارسية التي بعثها الإسلام وحلتها لغته العربية؟ نعم: كان كل ذلك، وكان محمود في تلك البيئة بمثابة محمد علي الألباني التركي في البيئة العربية، فكلاهما نهض ولكنه نهض في بيئة غير بيئته وحمل بيده قبسا اقتبسه من أولئك الذين نزل بين ظهرانيهم فكان الموقد وهو المؤرثين أو كانوا أصحاب النار وكان الذي عشا على ضوء نارهم، ولولاهم لما كان شيء.