فهرس الكتاب

الصفحة 2000 من 5287

دعوة الحق، س.3، ع 4 /أكتوبر 1960 ص 49

حاجتنا إلى تصميم قار لبعث اللغة القومية

للأستاذ عبد اللطيف الخطيب

يحكى عن «كارلوس الخامس» الذي ملك اسبانيا في السنة السادسة عشرة من القرن السادس عشر وأصبح إمبراطورا على ألمانيا بعد ثلاث سنوات قبل أن تخضع لسلطانه معظم أقطار الأرض حتى لم تعد الشمس تغيب عن علمه المنشور عليها أنه قال «جعلت اللغة الألمانية للاستجاشة والاستنفار وجعلت الإيطالية للموسيقى وإنشاد الشعر والغناء بينما جعلت الفرنسية لمغازلة النساء. ومع ذلك فاللغة الاسبانية هي أحب اللغات إلى نفسه وآثرها لدى قلبه لأنها اللغة التي حدثته والدته بها قبل أن يكلم الناس ويمشي في الأسواق» . وقد قصدت الإتيان بهذه الحكاية في بداية هذا المقال للتدليل على مدى الرابطة الروحية التي تقوم بين الفرد وبين اللغة الموروثة عن والديه وكيف أن الإخلاص لتلك اللغة ضرب من ضروب البرور بهما والتعلق بالماضي المتمثل فيهما. ولأمر ما ضرب المثل عند الغربيين بلغة الأم عندما يريدون التحدث عن طلاقة فرد من الأفراد في النطق بلغة من اللغات والتمكن منها. وإذا كان الفرد يجتهد في تزكية ما يرث عن والديه من متاع فهو أحرى ببذل الجهد لتنمية ما يرث عنهما من هذه القيم الروحية والأخلاقية التي هي خير وأبقى.

والعربية هي بعد كتابها المنزل في طليعة تلك القيم التي اقترن بها ذكر المغرب في التاريخ بما كان له من الإسهام المعلى في التبشير بالهدى وتزكية التراث العربي وتعميم فضله على الناس. لهذا كان الإخلاص لهذه اللغة فرضا من الفروض القومية المقدسة لأنها الرابطة بيننا وبين صفحاتنا البيض في أسفار التاريخ والحضارة والصلة الوحيدة بيننا وبين سواد الأمة والضمانة دون حدوث القطيعة بين النخبة المسيرة والجمهور المنقاد بالإقناع. هذه هي الحقيقة التي لا يستطيع أحد أن يجادل فيها إلا إذا كان في قلبه مرض أو في نفسه حرص على منفعة تمليها الأثرة. ولن يكون حال النخبة المتنكرة جنوب القارة الإفريقية حيث أرادات تكوين أمة على أسس لا تستجيب لحقائق المنطق والواقع والتاريخ فكان ما نشاهده من هذه القطيعة التي لم يكن الميز العنصري المقيت إلا مظهرا من مظاهرها المؤلمة.

وإذا كان المغرب لا يكون وحدة سلالية ولا وحدة دينية -إذا كان اليهود صادقين في إحساسهم بمغربيتهم- فإن الوحدة اللغوية هي وحدها الكفيلة بتحقيق الوحدة القومية الصحيحة. ولسنا بحمد الله في حاجة إلى إقامة الأدلة والبراهين على أن العربية هي اللغة الوحيدة القادرة على إنجاز تلك الوحدة المأمولة. ولما كان من الواجب على الحكومة أن تأخذ نفسها بأداء هذه الأمانة على الوجه المطلوب الأكمل فمن الواجب عليها أن تضع لتحقيق هذه الغاية تصميما على غرار ما تفعل في عالم الاقتصاد والسياسة والاجتماع ليقف كل منا على حقائق الأمور ويدرك المراحل التي لا تزال أمامه والآجال المخولة حتى يطمئن قلبه على مصير لغته القومية التي يلذ لبعض القاصرين رميها بالعجز طمعا في تبرير تقاعدهم عن الإسهام في تلقيحها وفتح الآفاق الجديدة في عالم الأدب والفن والعلم أمامها وأملا في إيجاد الذرائع والتعليلات لارتباط وجودهم بوجود لغة دخيلة نحن أسبق الناس إلى الترحيب بثقافتها وثقافات اللغات الحية الأخرى على شرط صهرها في قالب اللغة القومية. ويجب أن يكون هذا الهدف مبدأ قارا في سياستنا لا يتغير بتعاقب الحكومات ولا يختلف باختلاف نزعات المسؤولين ولا يتأثر بأي اعتبار من هذه الاعتبارات التي تطغى على ميادين الحياة العامة الأخرى.

إن الرصيد القومي من الثقافة لن ينميه إلا الكفاة من المثقفين بالعربية وباللغات الأجنبية فيما بعد لأنهم وحدهم القادرون على تطعيم ذلك الرصيد بما يجد في هذه اللغات كما كان الشأن إبان نقل تراث اليونان والرومان إلى العربية بعد الفتوحات الإسلامية الأولى. أما الاقتصار على تثقيف النشىء بلغة غير لغته القومية فهو في الواقع إقصاء له عن مجموع أمته وإن ارتبطت

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت