دعوة الحق، س3 - ع8 مايو 1960 ص69
الجزائرفي طريق الاستقلال؛ في أرض الجهاد والاستشهاد: قوميتنا المحاربة
للأستاذ: أحمد مراد.
... كأن الأقدار أبت الا أن تجعل من بلادنا مرمى لسهام الاستعمار، وهدفا لنباله المسمومة، منذ مطلع القرن التاسع عشر الى يوم الناس هذا، لتمتحن صلابة هذه القومية، في احدى مواقعها الحساسة، ولتبلو مدى ما لدى أبناء هذه البلاد من طاقة على النضال، وصبر واحتمال في مجال النزال ...
لقد استهدفتها الغارة الصليبية منذ اللحظة الأولى التي آذنت فيها شمس النهضة الاسلامية بالغروب، وأمست حالة العالم العربي والاسلامي تنذر بالضعف والتدهور. واتخذت منها قاعدة للاغارة بعد ذلك على جارتيها، قبل أن تولي وجهها نحو البلاد العربية الشقيقة في منطقة الشرق، وما أن سقطت بلادنا مضرجة في دمائها بعد صراع عنيف، وجهاد طويل دام قرابة ربع قرن، حتى انفتح الباب على مصراعيه امام الغزو الأوربي لبقية العالم العربي.
واذا كان باب الجزائر هو أول باب طرقه الغزاة المعتدون على أرضنا في عهد الغفلة والتخاذل والوهن، فإن هذا الباب هو نفسه الذي سيخرج منه-الى غير رجعة- أولئك الغزاة البغاة، وسيخرجون قريبا مشيعين بما يليق بأمثالهم من ضروب المقت والازدراء، بعد أن تحيق بهم الهزيمة، ويحل بساحتهم البوار والاندحار.
ومعلوم بالبداهة أن الغزو الصليبي لبلاد العرب في المشرق أو في المغرب، كان يستهدف -أول ما يستهدف- ابادة قوميتنا، والقضاء على تراثنا، بما في ذلك من دين ولغة وتاريخ وتقاليد مميزة، ولكن عناصر القوة والمناعة التي توفرت لدى هذه القومية، والروح الانسانية النبيلة التي قامت عليها في مقاصدها العامة، جعلتها تثبت -على مدى القرون- في وجه هذا الغزو العاتي، وتقف في الميدان متحدية له، دون أن ينال منها كبير منال، ومن غير أن يزحزحها عن محور وجودها قيد انملة، بل ظلت هذه القومية الخالدة -رغم فترات ضعف انتابتها- تشع بأنوارها على العالم، فتضيء جوانبه المظلمة بادران المادة والأنانية، وتبعث فيه روح الامل والاخاء الانساني بين فترة وأخرى، رغم تكالب الغزاة البغاة من سفاكي دماء الشعوب واعداء الانسانية، وستبقى قوميتنا راسخة القدم، ممتدة الجذور في أعماق هذا الوجود، تضيء بنورها واشعاعها، رغم المناوئين والمناهضين من المستعمرين (ويأبى الله الا أن يتم نوره ولو كره الكافرون) .
بعد هذه الإشارة العابرة الى هذا الموضوع المتشعب الجوانب، الذي يضيق المقام عن الالمام بجميع أطرافه، أريد أن أتناول في هذه الكلمة الوجيزة جانبا منه، في احد ميادينه التي واجهت فيه قوميتنا