دعوة الحق، س.1، ع12 /يونيه 1958 ص 56
للأستاذ: عبد الكريم غلاب
تحدث الرئيس نهرو عن نظرية ماركس في إحدى رسائله التي كتبها إلى ابنته وهو سجين، وقد ألف منها كتابا ضخما نشره بعنوان «لمحات من تاريخ العالم» .
لفت نظري في حديث الرئيس الهندي تأييده لفكرة المسؤولية عند ماركس، فقد قال ماركس: أن تبعة الاستغال ليست واقعة على المستغل نفسه، ولكنها على الطبقة المستغلة، فالذي يستغل غيره من الناس لم يقترف أتما يستحق عليه المسبة لأنه مجرد عضو في نظام فاسد.
ويدافع نهرو عن هذه النظرية ويحاول تطبيقه على النظام الاستعماري فيقول: «فالهند واقعة اليوم (والرسالة مكتوبة سنة 1933) تحت كابوس الاستعمار الانجليزي، ونحن نقاوم هذا الاستعمار بكل ما في وسعنا، ولكن الأفراد الانجليز الذين زجت بهم الظروف في هذا النظام، لا يستحقون اللوم لأنهم مجرد مسامير صغيرة في آلة ضخمة لا يستطيعون تغييرها أو تحريكها»
والحديث عن المسؤولية قديم قدم النظم الاجتماعية في العالم اهتمت بها الديانات كما اهتمت بها النظم السياسية والاجتماعية والقضائية، والفلاسفة أنفسهم تابعوا هذه النظرية بالبحث، فليس بجديد إذن في تاريخ الفلسفة ولا في تاريخ النظم الاجتماعية البحث في طبيعة المسؤولية وتحديد الذين تقع عليهم تبعاتها.
والخلاف في الأديان وفي النظم الاجتماعية والقضائية ينحصر في هل تقع المسؤولية على الفرد أو تقع على المجتمع: هل المسيء إلى نفسه أو إلى غيره أساء بدافع منبعث من نفسه فهو أساس الشر، أو أساء بدوافع من المجتمع والنظام الذي يعيش فيه، فهو نفسه ضحية النظام، ولم يكن له أي اختيار في أن يسيء، وعلى هذا الأساس تحدد المسؤولية.
فالذين يقولون بالدوافع النفسي والشخصي يلقون المسؤولية على الفرد. والذين يقولون بان المجتمع هو الذي دفع الفرد إلى الإساءة يلقون المسؤولية كلها على المجتمع وعلى النظام الذي يسير هذا المجتمع.
والأديان السماوية وفي مقدمتها الإسلام تقيم الوزن الأكبر للدافع النفسي والشخصي، فالنفس أمارة بالسوء، والشخص الذي ينتحر لأي دافع كان يعاقب في الآخرة ما دام العدل لا يستطيع أن يلحقه في الدنيا، واليد التي تمتد إلى السرقة-ولو بدوافع الجوع وفساد النظام والفقر- تقطع، والقاتل يقتل بقطع النظر عن أسباب الجريمة، وفي صلاح النفس صلاح للمجتمع كما تذهب الفلسفة الإسلامية.
ومعظم النظم الاجتماعية القديمة تقيم الوزن للمسؤولية الفردية، وان كانت لا تخلى المجتمع من مسؤوليته، ولعل ذلك راجع على نوع الحياة التي كانت تحياها المجتمعات، فعمل الفرد كان هو الأساس في كل عمل: هو الذي يفكر للعمل وهو الذي يختار أساليبه وهو الذي ينفذ الخطة، ونتيجة لذلك هو الذي يتحمل مسؤولية عمله، وللمجتمع بعد ذلك ما يعود من عمله حسنا كان أو سيئا.
ولكن الحياة قد تطورت وظهرت في أفقها طاقات جديدة لا قبل للفرد باستغلالها: اكتشفت الطاقة البخارية واكتشفت الآلة، وظهر بوضوح أن الفرد اندمج في المجتمع، وان عمله كفرد أصبح لا قيمة له بالنسبة لعمله كعضو في المجتمع، وهكذا تكونت مجتمعات جديدة قوامها توزيع المسؤولية التي كان يتحملها فرد على هيئة-تصغر أو تكبر- بدون تحديد