دعوة الحق، س.2، ع3 /دجنبر 1958 ص 19
للأستاذ: محمد الفاسي، عميد الجامعة المغربية
وتنتقل بعد ابن رشيد للكلام على شخصية من أهم أصحاب الرحلات ممن لهم شهرة ذائعة لما تمتاز به رحلته من الصراحة والنقد لأحوال البلاد التي زارها ونعني به أبا عبد الله العبد ري، وهذا الرحالة العظيم على الرغم من الشهرة التي يتمتع بها حتى أن نسخ رحلته المخطوطة منتشرة في كل البلاد، ولا تكاد تخلو منها خزانة، لا نعلم من خصه بالذكر من القدماء سوى ابن القاضي في جذوة الاقتباس حيث ترجمه بما يستفاد من رحلته لا غير، لذلك لا يعرف لا تاريخ ولادته، ولا وفاته، ولا كيف نشأ، ولا الذي حدا بالمؤلفين لإغفال ذكر العبد ري ما كان يعرف به من لسان قانع، وعدم الاعتراف بالمزية لأحد إلا ما كان من أفراد قليلين ذكرهم خصوصا من أهل تونس مما جعل الناس لا شك ينفرون منه ويهملونه، ولأن ذلك لم يفد في القضاء عليه، لأنه ضمن الخلود لنفسه بمؤلفه الفريد من نوعه، لأن هذه الرحلة وإن كنا لا نشاطره الرأي في كل ما ذكره فيها من إبداع ما ألف في هذا الفن.
والعبد ري هذا من أهل بلاد حاحة، وأسلافه من العرب القرشيين من بني عبد الدار الذين نزلوا في قبيلة حاحة البربرية التي تحيط بمدينة الصويرة، والنسبة إليها حيحي على غير قياس، أي كما يتلفظ بها أهل البلاد، ولا مراء في أنه من أهل حاحة، فهو دائما يذكرها ويحن إليها، حتى أنه لما وصل إلى فاس في رجوعه من سفره، وأدركه العيد فيها فقال:
قالوا تعيد في فاس فطب فرحا
فقلت ما لي بها دار ولا عطن
فاس ومكناس وطنجة وسلا
عندي (كزديك) (1) لا أهل ولا وطن
فهو لا يطيب فرحا بالتعبيد في فاس، رغم جمالها واتساع حضارتها، وكونها قاعدة المملكة، ويفضل عليها بلاد حاجة، لأنها موطنه ومسقط رأسه.
إذا علمتم هذا اشتد عجبكم ممن يقول: أن العبد ري من (بلتسية) وأول من رأيته بنسبة لهذه المدينة الأندلسية أحد المستشرقين الإسبان (بونس بويكس) في طبقاته للمؤرخين الأندلسيين، وقد تابعه على ذلك مؤرخ الآداب العربية بروكلمان، والشيخ محمد بن أبي شنب رحمه الله في مقاله عن العبد ري في دائرة المعارف الإسلامية، والمستشرق الإسباني (كونساليس بالنسيا) في تاريخه للآداب العربية الأندلسية، وجوجي زيدان، وغيرهم، ولم يذكر واحد منهم مستندا في ذلك، ولعل الخطأ تسرب لأول من وقع فيه من كون عدد كبير من الأدباء والعلماء من أهل الأندلس، ينتسبون إلى بني عبد الدار، بل منهم عبدري رحل إلى المشرق وألف رحلة، كما أن عبد ريا ثالثا من أهل تلمسان رحل ألف، فالتبس هذا وذاك أو غيرهما بعبدرينا، وجعل أندلسيا، والحالة أنه مغربي صميم، يصرح بذلك في مؤلفه، وهو يعتز بالمغرب وأهله، ولا يتعرض مطلقا لبلاد الأندلس، ولم تدعه نفسه لزيارتها، بل أن قبره موجود إلى الآن ببلاد حاجة ويعرف بسيدي أبي البركات.
أما في رحلته فلا يسعنا ضيق الوقت لتحليلها، وإنما نذكر الطريق التي اتبعها في ذهابه وإيابه، وذلك أنه خرج من بلاده حاحة في آخر سنة 688 على طريق البر من وراء الأطلس قاطعا المفازة التي بين جنوب المغرب ومدينة تلمسان، ومنها قصد تونس داخلا لجل المدن التي على طريقه، وهو يصف كل المحلات التي يمر بها، ويذكر أحوال أهلها، وأكثر اهتمامه بالعلم
(1) محل قاحل بطرابلس