والحركة العلمية. وقد قال في مقدمته بعد أن ذكر أنه سيستعمل الصراحة والإنصاف في الرحلة، وإنه لا يعمدا إلى تقبيح حسن، ولا تحسين قبيح: «وقد تعطل في هذا العصر موسم الفاصل، وتبدد في كل قطر نظام الفضائل، وتفرق أهلها أيادي سبا، وصاروا حديثا في الناس مستغربا» إلى أن يقول أو ليس من الأمر الخارج عن كسل قياس، إن المسافر عندما يخرج من أقطار مدينة فاس، ليزال إلى الإسكندرية في خوض ظلماء، وخبط عشواء.»
ثم بعد هذا الوصف الإجمالي لحالة البلاد التي مر بها في طريقه، صار عندما يصل لكل مدينة، يهتم قبل كل شيء بالحالة العملية فيها. ولما وصل تلمسان، ذكر أنها مدينة جميلة المنظر: «وأهلها ذوو لياقة ولا بأس بأخلاقهم، أما العلم فقد درس رسمه في أكثر البلاد وغارات أنهاره.» وقال مثل هذا في مليانة والجزائر وبجاية، مع أنه صرح: «بأن هذا البلد، مبدأ الإتقان والنهاية، غير أنه قد عراه من الغير، ما شمل في هذا الأوان البدو والحضر.» وصار على المنوال من التأسف على ذهاب العلم من هذا إعجابا كبيرا من سائر نواحيها، وأطنب في مدح أهلها، وفي الثناء على أخلاقهم، مما يدل على إنصافه، إذ لم يمنعه استعداده للتنقيص من كل شيء، والنظر بعين السخط إلى الوجود، إن يطري ما يستحق الإطراء، فقال في تونس من جملة كلامه: «وما من فن من فنون العلم إلا وجدت بتونس به قائما ن ولا مورد من موارد المعارف إلا رأيت بها حوله واردا وحائما» . وقد طال في ذكر من لقيه بها من العلماء والأدباء وأخذه عنهم، بخلاف عادته في الإيجاز، لأنه قليل الفضول، فلا يذكر من الأشياء إلا ما تهم معرفته، واستطراداته كلها في محلها، ولا تنسبه ما هو بصدده، فلا يخرج كثيرا عن موضوعه، ولا يبتعد عنه ويرجع إليه، بعد استيفاء الكلام فيما قصد الكلام عليه.
ومن تونس قصد مصر على طريق البر، مخترقا طرابلس، وما خرج من مدينة تونس، حتى انقلب ابتهاجه حزنا، ورجع لمعهود عادته: من التفجع على ذهاب العلم. ولما وصل إلى طرابلس، صار أسفه غضبا وأطلق للسانه العنان فقال: «ما للعلم بها عرس، أقفرت ظاهرا وباطنا، إلى أن يقول أهلها: «كأنهم من ضيق إفهامهم لم يخرجوا بعد إلى العالم فسبحان من خلقهم وأهل تونس طرفي نقيض: أولئك في الأوج، وهؤلاء في الحضيض» .
ولما وصل إلى الإسكندرية أعجبه موقعها ومناظرها ومبانيها البديعة، إلا أنه ما عتم أن قال: «بيد أنها الآن، بلد زادت صورته على معناه، فهو كجسم حسن لا روح فيه» وتخلص من ذلك للكلام على نظام الديوانة القاسي، وانتقده انتقادا مرا، وهو ينفق في هذا بالخصوص مع من سبقه من الرحالة ومن لحقه، فقد أجمعت كلمتهم على أنه كان لأهلها شره كبير في أخذ المكوس ممن يمر بهم من حجاج بلاد المغرب بل وافقه على هذا أيضا شيخه وشيخ الإسكندرية في وقته: نور الدين بن المنير، فقد حكي العبد ري أنه ظن أول وهلة أن ذلك أمر أحدثوه، حتى حدته شيخه المذكور بما كان لابن جبير قلبه، وأوقفه على ما وصفه ذم تلك الأفعال الدينية، وأنشده قصيدة ابن جبير التي وجهها لصلاح الدين يذكره بحقوق المسلمين، والتي من جملتها قوله:
يعنف حجاج بيت الإله
ويكشف عما بأيدهم
وقدا وفقوا بعدما كوشفوا
وتسطي بهم سطوة الجائر
وناهيك من موقف الصاغر
كأنهم في يد الآسر
وأما مدينة القاهرة، فلم يكن حظها من تنقيص رجالتنا لها ولأهلها بأقل من حظ الإسكندرية، بل أنه قال فيها ما لم يقله في مدينة غيرها، على كثرة ما رأينا من انتقاداته، ولكن ذلك لا يمنعه من استيعاب وصف مشاهدها وآثارها، والكلام على النيل والأهرام وغير ذلك، التقى فيها بأكبر علمائها في ذلك الوقت وقال عنه: «ولم أر بهذه المدينة على كثرة الخلق بها أمثل ولا أقرب إلى الإنسانية وأجمل معاملة من الشيخ الفقيه شرف الدين الدمياطي» .
ومن القاهرة صحب الركب الرسمي برا على العقبة، ودخل الحجاز، فأطال في وصف مكة المكرمة وأمتع، بعد أداء الفريضة قصد المدينة الرسول عليه الصلاة والسلام، ولم تمنعه قداستها من أن يقول على عادته: «ولم أر بالمدينة مع شدة البحث والحاج الطلب وتكرر السؤال من هو بالعلم موصوف ولا من هو يفن من فنونه معروف» . وكان رجوعه على طريق فلسطين، فمصر، ولم يغير طريق رجوعه من مصر إلى المغرب، إلا أنه لما وصل إلى تلمسان، ولم يقصد بلاد حاحة على الصحراء كما فعل في السير، بل رجع على طريق الغرب مارا بتازة وفاس ومكناسة، وقد اختصر الكلام في البلاد المغربية اختصارا مخلا مع أنه سمى رحلته هذه «الرحلة المغربية» وفاس ومكناسة، وقد اختصر الكلام في البلاد المغربية اختصارا مخلا مع أنه سمى رحلته هذه «الرحلة المغربية» وإنما قصد