فهرس الكتاب

الصفحة 2003 من 5287

.التي تسمو بالأفراد فتضعهم فوق ما يصنعون من أنظمة وقواعد الحكم، وفوق ما يخططون من حدود وفوارق بين عمالات ومقاطعات قطرهم؟ كلا إن الفكرة الدينية هنا لأكثر تغلغلا في النفوس وامتزاجا بالأرواح من كل ما يصدر عن المخلوقات من أفكار. وما دامت الفكرة الدينية فكرة مستمدة من مشيئة وحكمة خالق المخلوقات فلا غرو في أن تعلو على فلسفة الناس المادية، بل وعلى ما قد يأتون به من فلسفة يرونها روحية وما هي إلا زخرفة وبريق.

ونعود إلى ما كنا بصدده، إلى هذا الوطن المغربي الذي جعلته وحدته الروحية الدينية قطرا يتجاوز مجاله الحدود الترابية، قطرا لا يشبه أقطار الغرب أو الشرق، قطرا جعلته وحدته الدينية جزءا غير منفصل عن العالم الإسلامي في عمومه وعن العالم العربي بالخصوص إذ من هذا الأخير استقبل ديانته ولغته ومنه تفجرت ينابيع مدنيته التي سايرت الزمن أكثر من ألف عام.

وإذا ما اشتك الوطن المغربي ألما لتصدعت له جميع الأعضاء العالمين العربي والإسلامي كما يشعر هو نفسه بوطأة أي ألم ينزل بأي طرف من أطراف هذين العالمين بحيث لا يحدق خطر ما بأي قطر عربي أو إسلامي إلا ونرى الوطن المغربي يعد نفسه مهددا هو كذلك بذلك الخطر. فهل كان المغرب يشعر -لولا هذه الديانة الإسلامية-بآلام أندونيسيا والباكستان؟ وإذا كنت أضع خطا تحت كلمة الإسلامية حين حديثي عن هذه الديانة التي جمعت 500 مليون نسمة في كتلة واحدة رغم آلاف الكيلومترات التي تباعد بين جماعاتها فما ذلك إلا لألفت النظر إلى التوفيق الذي لقيته الديانة الإسلامية في خلق أخوة عالمية بسطت جناحيها على هذا العدد الضخم من البشر.

فمن الحق أن يقال أن الوطن المغربي يسمو على جميع الأوطان التي لم تقم إلا على شعور عاطفي أو منطقي.

هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن الشخصية المغربية تفيض حيوية وتسمو إلى الآفاق السماوية. مستنيرة بإيمانها الذي جعلها تتجنب وتعلو فوق جميع الحواجز والعوارض.

.هو الذي جعل المسلم يؤمن ويوقن بأن البعث يتبع الموت، وأن الجنة مفتوحة الأبواب في وجه كل من استشهد في سبيل الله ومثله العليا وأمام كل مسلم أسلم وصدق إسلامه وإذا كان هذا التشويق إلى الخلود أقوى وأعمق في الديانة الإسلامية منه في أية ديانة، فذلك لن الرسول -وهو مرشد المسلمين الأعظم- كان أعمق إدراكا من كل مخلوق آخر لكلمة الله، والأبلغ في تفسيرها ونقل مغزاها إلى الأذهان والأفئدة. وإذا كان آخر الرسل وخاتمتهم فهو قمة الحكمة والبلاغة.

لا أدري على أي صورة كنا نرى هذا القطر المغربي لو لم يكن وطنا لأمة مسلمة، أن الرابطة الإسلامية هي التي ميزت هذه الأمة عن غيرها من الأمم المنقسمة فيما بينها إلى أحزاب سياسية تهيم في ظلمة الجشع والمطامع، المشتتة بين أفكار ومذاهب لا تطمئن النفس إلى سلامة نواياها وغاياتها.

فالفضل كل الفضل في الوحدة جمع الكلمة يرجع كله إلى هذه الديانة التي حاولت دون تغلغل الانقسامات في النفوس والتي صدت كل حزب -مهما بالغ من تقدميته- عن نكران العقيدة أو الملك الذي يجسمها. ولا غرابة في ذلك فالظاهر أن كلا منهما سند للآخر في المغرب.

قد يحق لبريطانيا العظمى أن تفاخر باتساع صدرها لقبول ديانات متعددة من غير أن يكون في ذلك خطر على انسجام حياة المملكة المتحدة، كما قد يحق لفرنسا أن تصف نفسها بأنها البلد الذي لا ترتبط بدين من الأديان، فإن ذلك لا ينسينا الحركات الوطنية التي ظهرت في مقاطعتها الألزاس وبروطانيا وقضى عليها دوكول فيما بين 1944 و1945 فهي حركات مبعثها الوحدة الدينية التي تجمع بين هاتين المقاطعتين المتشبثتين بالمذهب الكاثوليكي تشبثا جعله موضوع الاحترام والتوقير حتى عند أحزابهما اليسارية.

ولنأخذ مثالا آخر من بلجيكا التي يستوطنها جنسان يختلفان أشد الاختلاف، وحيث توجد لغتان رسميتان، فالوحدة في هذا القطر لا تقوم إلا على الدين والملكية، بحيث إذا زال أحد العاملين زالت هي كذلك ودخلت بلجيكا في عالم النسيان. وهذا مع العلم بأن المسيحية غير متمكنة تمكن الإسلام في النفوس.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت