وَهَذَا مَحْفُوظٌ عَنْهُ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ؛ وَعَنْ غَيْرِهِ؛ مِنْهُمْ الْإِمَامُ أَحْمَد بْنُ حَنْبَلٍ؛ فَإِنَّهُ قَالَ: إذَا أَرَادَ الْإِحْلَالَ فَهُوَ مُحَلِّلٌ وَهُوَ مَلْعُونٌ وَهَذَا مَنْقُولٌ عَنْ جَمَاعَاتٍ مِنْ الْأَئِمَّةِ فِي صُوَرٍ كَثِيرَةٍ مِنْ صُوَرِ الْخِلَافِ فِي الْخَمْرِ وَالرِّبَا وَغَيْرِهِمَا.
فَإِنْ كَانَتْ اللَّعْنَةُ الشَّرْعِيَّةُ وَغَيْرُهَا مِنْ الْوَعِيدِ الَّذِي جَاءَ لَمْ يَتَنَاوَلْ إلَّا مَحَلَّ الْوِفَاقِ: فَيَكُونُ هَؤُلَاءِ قَدْ لَعَنُوا مَنْ لَا يَجُوزُ لَعْنُهُ؛ فَيَسْتَحِقُّونَ مِنْ الْوَعِيدِ الَّذِي جَاءَ فِي غَيْرِ حَدِيثٍ مِثْلَ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {لَعْنُ الْمُؤْمِنِ كَقَتْلِهِ} (1)
(1) - صحيح البخارىبرقم (6105) وصحيح مسلم برقم (316) عَنْ ثَابِتِ بْنِ الضَّحَّاكِ عَنِ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ «مَنْ حَلَفَ بِمِلَّةٍ غَيْرِ الإِسْلاَمِ كَاذِبًا فَهْوَ كَمَا قَالَ، وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِشَىْءٍ عُذِّبَ بِهِ فِى نَارِ جَهَنَّمَ، وَلَعْنُ الْمُؤْمِنِ كَقَتْلِهِ، وَمَنْ رَمَى مُؤْمِنًا بِكُفْرٍ فَهْوَ كَقَتْلِهِ» .
وفي شرح النووي على مسلم - (ج 1 / ص 223)
أَمَّا قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (لَعْن الْمُؤْمِنِ كَقَتْلِهِ) فَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَاد أَنَّهُمَا سَوَاءٌ فِي أَصْل التَّحْرِيمِ وَإِنْ كَانَ الْقَتْل أَغْلَظَ، وَهَذَا هُوَ الَّذِي اِخْتَارَهُ الْإِمَام أَبُو عَبْد اللَّه الْمَازِرِيُّ، وَقِيلَ: غَيْر هَذَا مِمَّا لَيْسَ بِظَاهِرٍ.
وفي شرح ابن بطال - (ج 11 / ص 111)
وقوله: «ولعن المؤمن كقتله» فيه تأويلان.
قال المهلب: وهو معنى قوله الطبرى: اللعن في اللغة هو الإبعاد. فمن لعن مؤمنًا فكأنه أخرجه من جماعة الإسلام، فأفقدهم منافعه وتكثير عددهم، فكان كمن أفقدهم منافعه بقتله، ويفسر هذا قوله للذى لعن ناقته: «انزل عنها فقد أجيبت دعوتك» فسرحها ولم ينتفع بها أحد بعد ذلك، فأفقد منافعها لما أجيبت دعوته، فكذلك يخشى أن تجاب دعوة اللاعن فيهلك الملعون.
والتأويل الآخر: أن الله حرم لعن المؤمن كما حرم قتله فهما سواء في التحريم، وهذا يقتضى تحذير لعن المؤمنين والزجر عنه؛ لأن الله - تعالى - قال: {إنما المؤمنون إخوة} فأكد حرمة الإسلام، وشبهها بإخوة النسب، وكذلك معنى قوله: «من رمى مؤمنًا بكفر فهو كقتله» يعنى في تحريم ذلك عليه - والله أعلم.