عَنْهُ بِالثَّانِي، بَلْ لَوْ قَالَ قَائِلٌ: الْعَمَلُ بِهَا فِي الْوَعِيدِ أَوْكَدُ؛ كَانَ صَحِيحًا.
وَلِهَذَا كَانُوا يُسَهِّلُونَ فِي أَسَانِيدِ أَحَادِيثِ التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ مَا لَا يُسَهِّلُونَ فِي أَسَانِيدِ أَحَادِيثِ الْأَحْكَامِ؛ لِأَنَّ اعْتِقَادَ الْوَعِيدِ يَحْمِلُ النُّفُوسَ عَلَى التَّرْكِ (1)
(1) - وفي قواعد التحديث للقاسمي - (ج 1 / ص 78) وما بعدها
قال المحقق جلال الدين الدواني في رسالته أنموذج العلوم (( اتفقوا على أن الحديث الضعيف لا تثبت به الأحكام الشرعية ثم ذكروا أنه يجوز بل يستحب العمل بالأحاديث الضعيفة في فضائل الأعمال وممن صرح به النووي في كتبه لا سيما كتاب (( الأذكار ) )وفيه إشكال لأن جواز العمل واستحبابه كلاهما من الأحكام الشرعية الخمسة فإذا استحب العمل بمقتضى الحديث الضعيف كان ثبوته بالحديث الضعيف وذلك ينافي ما تقرر من عدم ثبوت الأحكام بالأحاديث الضعيفة وقد حاول بعضهم التفصي عن ذلك وقال إن مراد النووي أنه إذا ثبت حديث صحيح أو حسن في فضيلة عمل من العمال تجوز رواية الحديث الضعيف في هذا الباب ولا يخفي أن هذا لا يرتبط بكلام النووي فضلًا عن أن يكون مراده فكم من فرق بين جواز العمل واستحبابه وبين مجرد نقل الحديث على أنه لو لم يثبت الحديث الصحيح أو الحسن في فضيلة عمل من الأعمال يجوز نقل الحديث الضعيف فيها لا سيما من التنبيه على ضعفه ومثل ذلك في كتب الحديث وغيره كثير شائع يشهد به من تتبع أدنى تتبع والذي يصلح للتعويل أنه إذا وجد حديث ضعيف في فضيلة عمل من الأعمال ولم يكن هذا العمل مما يحتمل الحرمة أو الكراهة فإنه يجوز العمل به ويستحب لأنه مأمون الخطر ومرجو النفع إذ هو دائر بين الإباحة والاستحباب فالاحتياط العمل به رجاء الثواب وأما إذا دار بين الحرمة والاستحباب فلا وجه لاستحباب العمل به وأما إذا دار بين الكراهة والاستحباب فمجال النظر فيه واسع إذ في العمل دغدغة الوقوع في المكروه وفي الترك مظنة ترك المستحب فلينظر إن كان خطر الكراهة أشد بأن تكون الكراهة المحتلمة شديدة كان خطر الكراهة أضعف بأن تكون الكراهة على تقدير وقوعها ضعيفة دون مرتبة ترك العمل على تقدير استحبابه فالاحتياط العمل به وفي صورة المساواة يحتاج إلى نظر تام والظاهر أنه يستحب أيضًا لأن المباحات تصير بالنية عبادة فكيف ما فيه شبهة الاستحباب لأجل الحديث الضعيف فجواز العمل واستحبابه مشروطان أما جواز العمل فبعدم احتمال الحرمة وأما الاستحباب فيما ذكر مفصلًا
(( تقي ههنا شيء وهو أنه عدم احتمال الحرمة فجواز العمل ليس لأجل الحديث إذ لم يوجد يجوز العمل أيضًا لأن المفروض انتفاء الحرمة لا يقال الحديث الضعيف ينفي احتمال الحرمة لأنا نقول الحديث الضعيف لا يثبت به شيء من الأحكام الخمسة وانتفاء الحرمة يستلزم ثبوت الإباحة والإباحة حكم شرعي فلا يثبت بالحديث الضعيف ولعل مراد النووي ما ذكرنا وإنما ذكر جواز العمل توطئة للاستحباب
(( وحاصل الجواب أن الجواز معلوم من خارج والاستحباب أيضًا معلوم من القواعد الشرعية الدالة على استحباب الاحتياط في أمر الدين فلم يثبت شيء من الأحكام بالحديث الضعيف بل أوقع الحديث شبهة الاستحباب فصار الاحتياط أن يعمل به فاستحباب الاحتياط معلوم من قواعد الشرع ) )انتهى
وقد ناقش الدواني رحمه الله الشهاب الخفاجي في (( شرح الشفا ) )فقال بعد نقله ملخص كلامه المذكور ما صورته (( ما قاله الجلال مخالف لكلامهم برمته وما نقله من الاتفاق غير صحيح مع ما سمعته من الأقوال - يعني في العمل بالضعيف - والاحتمالات التي أبداها لا تفيد سوى تسويد وجه القرطاس والذي أوقعه في الحيرة توهمه أن عدم ثبوت الأحكام به متفق عليه وأنه يلزم من العمل به في الفضائل والترغيب أنه يثبت به حكم من الأحكام وكلاهما غير صحيح أما الأول فلان من الأئمة من جوز العمل به بشروطه وقدمه على القياس وأما الثاني فلان ثبوت الفضائل والترغيب لا يلزمه الحكم ألا ترى أنه لو روى حديث ضعيف في ثواب بعض الأمور الثابت استحبابها والترغيب فيه أوفي فضائل بعض الصحابة رضوان الله عليهم أو الأذكار المأثورة لم يلزم مما ذكر ثبوت حكم أصلا ولا حاجة لتخصيص الأحكام والأعمال كما توهم للفرق الظاهر بين الأعمال وفضائل الأعمال وإذا ظهر عدم الصواب لأن القوس في يد غير باريها ظهر أنه إشكال ولا خلل ولا اختلال ) )1هـ
وأقول إن للشهاب ولعا في المناقشة غريبًا وإن لم يحظ الواقف عليها بطائل وتلك عادة استحكمت منه في مصنفاته كما يعلمه من طالعها ولعله هو الذي سود وجه القرطاس ههنا إذ لا غبار على كلام الجلال وأما انتقاده عليه بنقله الاتفاق على أن الحديث الضعيف لا تثبت به الأحكام مع وجود الخلاف فيه فلأنه عني اتفاق مدققي النقاد وأولى اشتراط الصحة في قبول الإسناد كالشيخين وأضرابهما ممن أسلفنا النقل عنهما في المذهب الأول في الضعيف إن لم نقل إن الجلال لم ير مقابله مما يجدر سوقه مقابلا حتى يحكى الخلاف فيه وكثيرًا ما يترفع المؤلفون عن الأقوال الواهية ولو في نظرهم فيحكون الاتفاق ومرادهم اتفاق ذوي التحقيق كما هو معلوم في المؤلفات المتداولة وأما مناقشته بأن ثبوت الفضائل والترغيب لا يلزمه الحكم فإلزام لما لم يلتزمه الجلال لأنه لم يدعه وكلامه في الأعمال خاصة فمؤاخذته بمطلق الفضائل افتراء أو مشاغبة وأما قوله (ولا حاجة لتخصيص الأحكام إلى آخره) فشط من القلم إلى جداول الجدل الفاضح وهل كلامه إلا في الأحكام والأعمال وتعليله بظهور الفرق بين الأعمال وفضائلها غير ظاهر هنا لا تحادها في هذا المبحث لأن الإضافة الأعمال بيانية أو من إضافة الصفة إلى الموصوف أي الأعمال الفاضلة فتأمل لعلك ترى القوس في يد الجلال كما رآه الجمال