وَكَذَلِكَ الْخَبَرُ الْمَرْوِيُّ مِنْ عِدَّةِ جِهَاتٍ يُصَدِّقُ بَعْضُهَا بَعْضًا مِنْ أُنَاسٍ مَخْصُوصِينَ قَدْ تُفِيدُ الْعِلْمَ الْيَقِينِيَّ لِمَنْ كَانَ عَالِمًا بِتِلْكَ الْجِهَاتِ؛ وَبِحَالِ أُولَئِكَ الْمُخْبِرِينَ؛ وَبِقَرَائِنَ وضمائم تَحْتَفُّ بِالْخَبَرِ وَإِنْ كَانَ الْعِلْمُ بِذَلِكَ الْخَبَرِ لَا يَحْصُلُ لِمَنْ لَمْ يُشْرِكْهُ فِي ذَلِكَ (1)
(1) - وفي تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي - (ج 1 / ص 84)
وقال في «شرح النخبة» : الخبر المُحْتفِ بالقَرَائن يُفيد العِلْم, خلافًا لمن أبَى ذلك.
قال: وهو أنواع:
منها: ما أخرجه الشَّيخان في «صحيحيهما» مِمَّا لم يبلغ التَّواتر, فإنَّه احتف به قرائن.
منها: جلالتهما في هذا الشَّأن, وتقدمهما في تَميِّيز الصَّحيح على غيرهما, وتلقى العُلماء لكتابيهما بالقَبُول, وهذا التَّلقي وحدهُ أقوى في إفَادة العِلْم من مُجرد كَثْرة الطُّرق القاصرة عن التَّواتر, إلاَّ أنَّ هذا مُختص بما لم ينتقده أحد من الحُفَّاظ مِمَّا في الكتابين, وبما لم يقع التَّجاذب بين مدلوليه, مِمَّا وقع في الكِتَابين, حيث لا ترجيح, لاسْتحَالة أن يُفيد المتناقضان العلم بصدقهما, من غير ترجيح لأحدهما على الآخر, وما عدَا ذلك, فالإجماع حاصل على تسليم صحته.
قال: وما قيلَ من أنَّهم إنَّما اتَّفقوا على وجوب العَمَل به, لا على صحته ممنوعٌ, لأنَّهم اتَّفقُوا على وجُوب العمل بكلِّ ما صحَّ, ولو لم يُخرجاه, فلم يبق للصَّحيحين في هذا مزية, والإجماع حاصلٌ على أنَّ لهُمَا مزية فيما يرجع إلى نفس الصِّحة.
قال: ويُحتمل أن يُقَال: المزية المَذْكُورة كون أحاديثهم أصح الصَّحيح.
قال: ومنها المَشْهور, إذا كانت له طرق مُتباينة سالمة من ضعف الرُّواة والعلل, ومِمَّن صرَّح بإفادته العلم النَّظري الأستاذ أبو منصُور البغدادي.
قال: ومنها المُسَلسل بالأئمة الحُفَّاظ المُتقنين حيثَ لا يَكُون غَريبًا كحديث يرويه أحمد مثلا, ويُشَاركه فيه غيره عن الشَّافعي, ويُشَاركه فيه غيره عن مالك, فإنَّه يُفيد العِلْم عند سَمَاعه بالاسْتدلال من جهة جلالة رُواته.
قال: وهذه الأنواع الَّتي ذَكَرناها لا يحصل العِلْم بصدق الخَبر فيها إلاَّ للعالم المُتبحِّر في الحديث, العارف بأحوال الرُّواة والعلل, وكون غيره لا يحصل له العلم لِقُصوره عن الأوصاف المذكورة, ولا ينفي حُصُول العلم للمتبحِّر المَذْكُور. انتهى.