كَمُخَالَفَةِ أَحَادِيثَ خِيَارِ الْمَجْلِسِ (1) بِنَاءً عَلَى هَذَا الْأَصْلِ (2)
(1) - البخارى برقم (2079) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ رَفَعَهُ إِلَى حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ - رضى الله عنه - قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - «الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا - أَوْ قَالَ حَتَّى يَتَفَرَّقَا - فَإِنْ صَدَقَا وَبَيَّنَا بُورِكَ لَهُمَا فِى بَيْعِهِمَا، وَإِنْ كَتَمَا وَكَذَبَا مُحِقَتْ بَرَكَةُ بَيْعِهِمَا» .
وفي البخارى برقم (2109) عَنِ ابْنِ عُمَرَ - رضى الله عنهما - قَالَ قَالَ النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم - «الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا، أَوْ يَقُولُ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ اخْتَرْ» .
وفي صحيح مسلم برقم (3930) عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ «الْبَيِّعَانِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالْخِيَارِ عَلَى صَاحِبِهِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا إِلاَّ بَيْعَ الْخِيَارِ» .
(2) - لقد اختلف الفقهاء في خيار المجلس.
فذهب جمهور الفقهاء ومنهم الشافعية والحنابلة إلى اعتباره، فلا يلزم العقد عندهم إلا بالتفرق عن المجلس أو التخاير واختيار إمضاء العقد.
وذهب الحنفية والمالكية إلى عدم اعتبار خيار المجلس، وهو قول الثوري والليث والعنبري.
استدل القائلون باعتبار خيار المجلس بحديث ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: المتبايعان كل واحد منهما بالخيار على صاحبه ما لم يتفرقا إلا بيع الخيار. متفق عليه.
وفي رواية: ما لم يتفرقا أو يكون البيع خيارًا. وفي رواية: أو يخير أحدهما الآخر.
ووجه الاستدلال إثبات الخيار من الشرع للمتبايعين، وهما متبايعان بعد تمام البيع بالإيجاب والقبول. أما قبل ذلك فهما متساومان فبطل ما أجاب به الآخرون من أن المراد بالمتبايعين المتساومان. والحديث يشمل ما في معنى البيع من عقود المعاوضة.
واستدلوا بقول ابن عمر: كانت السنة أن المتبايعين بالخيار حتى يتف رقا. رواه البخاري معلقًا ووصله البيهقي والإسماعيلي، وقول الصحابي من السنة كذا له حكم الحديث المرفوع.
واستدلوا أيضًا بحديث: أنه صلى الله عليه وسلم خير أعرابيًا بعد البيع. رواه الترمذي.
وفي رواية: أنه عليه الصلاة والسلام بايع رجلًا فلما بايعه قال له: اختر، ثم قال: هكذا البيع.
واستدلوا أيضًا بحاجة الناس الداعية إلى مشروعيته، لأن الإنسان بعد أن يبيع شيئًا قد يبدو له فيندم، فبالخيار الثابت له في المجلس يمكنه التدارك.
واستدل الآخرون: بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا} (29) سورة النساء.
فهذه الآية أباحت أكل المال بالتجارة عن تراض، مطلقًا عن قيد التفرق عن مكان العقد، ويترتب عليه جواز الأكل في المجلس قبل التفرق أو التخاير، وعند القائلين بخيار المجلس إذا فسخ أحدهما العقد في المجلس لا يباح له الأكل، فكان ظاهر النص حجة عليهم.
واستدلوا بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ .. } (1) سورة المائدة. فإذا لم يقع العقد لازما لم يتحقق وجوب الوفاء به.
واستدلوا برواية: فلا يحل له أن يفارق صاحبه خشية أن يسقيله، حيث تدل على أن صاحبه لا يملك الفسخ إلا من جهة الاستقالة.
واستدلوا بحديث: المسلمون على شروطهم، والقول بالخيار بعد العقد يفسد الشرط، مع أن الحديث يعتبر الشروط.
واستدلوا بقياس البيع ونحوه من المعاملات المالية في هذا على النكاح، والخلع، والكتابة، وكلها تتم بدون خيار المجلس فكذلك البيع.
كما قاسوا ما قبل التفرق على ما بعده.
ومن أدلتهم: إن خيار المجلس خيار بمجهول، فإن مدة المجلس مجهولة، فأشبه ما لو شرطًا خيارًا مجهولًا، وهذه جهالة فاحشة ممنوعة في الشرع.
ولكن الأدلة كلها لا يمكن أن يدفع بها الحديث الصحيح المتقدم، فما كان منها نصًا نحو: (أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ) (لاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ) ، فإنها عمومة والحديث السابق مخصص لها، وما كان منها مجرد قياس فهو قياس فاسد الاعتبار لمصادمته للنص.
قال صاحب المراقي وهو مالكي:
والخلف للنص أو إجماع دعا*** فساد الاعتبار كل من وعى.
هذا؛ واعلم أن من أصحاب مالك من خالفه في هذه المسألة وأقسم بالمشي إلى بيت الله على رجليه إن هو أفتى فيها بمذهب مالك كعبد الحميد الصائغ رحمه الله.
الموسوعة الفقهية1 - 45 كاملة - (ج 2 / ص 7056 - 7068) والفقه الإسلامي وأدلته - (ج 4 / ص 603) ونيل الأوطار - (ج 8 / ص 284 - 292) والفقه على المذاهب الأربعة - (ج 2 / ص 125) والفقه الإسلامي وأصوله - (ج 3 / ص 489) وفتاوى واستشارات الإسلام اليوم - (ج 8 / ص 470) وقواعد الأحكام في مصالح الأنام - (ج 2 / ص 260) وتهذيب الفروق والقواعد السنية في الأسرار الفقهية - (ج 3 / ص 465) وأنوار البروق في أنواع الفروق - (ج 6 / ص 338) وكشف الأسرار - (ج 7 / ص 97) والمنثور في القواعد - (ج 2 / ص 135) والبحر المحيط - (ج 2 / ص 260) والأشباه والنظائر - (ج 2 / ص 42) والأشباه والنظائر - (ج 2 / ص 355) والموافقات في أصول الشريعة - (ج 2 / ص 183) والانصاف في بيان أسباب الاختلاف لولي الله الدهلوي - (ج 1 / ص 5) وحجة الله البالغة للدهلوي - (ج 1 / ص 93) وفتاوى الشبكة الإسلامية معدلة - (ج 7 / ص 2003) رقم الفتوى 49620 خيار المجلس .. المثبتون والمانعون -تاريخ الفتوى: 19 ربيع الثاني 1425