فهرس الكتاب

الصفحة 330 من 463

وَلِهَذَا رَدُّوا حَدِيثَ الشَّاهِدِ وَالْيَمِين (1)

(1) - سنن أبى داود برقم (3612) والترمذي برقم (1393) عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِىَّ -صلى الله عليه وسلم- قَضَى بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ. وهو حديث متواتر

و في نيل الأوطار - (ج 13 / ص 355) فما بعد

وَقَدْ اسْتَدَلَّ بِأَحَادِيثِ الْبَابِ جَمَاعَةٌ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ، فَقَالُوا: يَجُوزُ الْحُكْمُ بِشَاهِدٍ وَيَمِينِ الْمُدَّعِي.

وَقَدْ حَكَى ذَلِكَ صَاحِبُ الْبَحْرِ عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيٍّ وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَأُبَيُّ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَشُرَيْحٍ وَالشَّعْبِيِّ وَرَبِيعَةَ وَفُقَهَاءِ الْمَدِينَةِ وَالنَّاصِرِ وَالْهَادَوِيَّةِ وَمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ.

وَحُكِيَ أَيْضًا عَنْ زَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ وَالزُّهْرِيِّ وَالنَّخَعِيِّ وَابْنِ شُبْرُمَةَ وَالْإِمَامِ يَحْيَى وَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْحُكْمُ بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ وَقَدْ حَكَى الْبُخَارِيُّ وُقُوعَ الْمُرَاجَعَةِ فِي ذَلِكَ مَا بَيْنَ أَبِي الزِّنَادِ وَابْنِ شُبْرُمَةَ فَاحْتَجَّ أَبُو الزِّنَادِ عَلَى جَوَازِ الْقَضَاءِ بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ بِالْخَبَرِ الْوَارِدِ فِي ذَلِكَ، فَأَجَابَ عَلَيْهِ ابْنُ شُبْرُمَةَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ} قَالَ الْحَافِظُ: وَإِنَّمَا تَتِمُّ لَهُ الْحُجَّةُ بِذَلِكَ عَلَى أَصْلٍ مُخْتَلَفٍ فِيهِ بَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ، يَعْنِي الْكُوفِيِّينَ وَالْحِجَازِيِّينَ، وَهُوَ أَنَّ الْخَبَرَ إذَا وَرَدَ مُتَضَمِّنًا لِزِيَادَةٍ عَلَى مَا فِي الْقُرْآنِ هَلْ يَكُونُ نَسْخًا وَالسُّنَّةُ لَا تَنْسَخُ الْقُرْآنَ، أَوْ لَا يَكُونُ نَسْخًا بَلْ زِيَادَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ بِحُكْمٍ مُسْتَقِلٍّ إذَا ثَبَتَ سَنَدُهُ وَجَبَ الْقَوْلُ بِهِ، وَالْأَوَّلُ مَذْهَبُ الْكُوفِيِّينَ وَالثَّانِي مَذْهَبُ الْحِجَازِيِّينَ، وَمَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ ذَلِكَ لَا تَنْهَضُ حُجَّةُ ابْنِ شُبْرُمَةَ لِأَنَّهَا تَصِيرُ مُعَارِضَةً لِلنَّصِّ بِالرَّأْيِ وَهُوَ غَيْرُ مُعْتَدٍّ بِهِ.

وَقَدْ أَجَابَ عَنْهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ فَقَالَ: الْحَاجَةُ إلَى إذْكَارِ إحْدَاهُمَا الْأُخْرَى إنَّمَا هُوَ فِيمَا إذَا شَهِدَتَا، فَإِنْ لَمْ تَشْهَدَا قَامَتْ مَقَامَهُمَا يَمِينُ الطَّالِبِ بِبَيَانِ السُّنَّةِ الثَّابِتَةِ وَالْيَمِينُ مِمَّنْ هِيَ عَلَيْهِ لَوْ انْفَرَدَتْ لَحَلَّتْ مَحِلَّ الْبَيِّنَةِ فِي الْأَدَاءِ وَالْإِبْرَاءِ، فَلِذَلِكَ حَلَّتْ الْيَمِينُ هُنَا مَحَلَّ الْمَرْأَتَيْنِ فِي الِاسْتِحْقَاقِ بِهَا مُضَافَةً إلَى الشَّاهِدِ الْوَاحِدِ.

قَالَ: وَلَوْ لَزِمَ إسْقَاطُ الْقَوْلِ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الْقُرْآنِ لَلَزِمَ إسْقَاطُ الشَّاهِدِ وَالْمَرْأَتَيْنِ لِأَنَّهُمَا لَيْسَتَا فِي السُّنَّةِ؛ لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:"شَاهِدَاكَ أَوْ يَمِينُهُ"وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ التَّنْصِيصِ عَلَى الشَّيْءِ نَفْيُهُ عَمَّا عَدَاهُ لَكِنَّ مُقْتَضَى مَا بَحَثَهُ أَنَّهُ لَا يَقْضِي بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ الْوَاحِدِ إلَّا عِنْدَ فَقْدِ الشَّاهِدَيْنِ أَوْ مَا قَامَ مَقَامَهُمَا مِنْ الشَّاهِدِ وَالْمَرْأَتَيْنِ وَهُوَ وَجْهٌ لِلشَّافِعِيَّةِ وَصَحَّحَهُ الْحَنَابِلَةُ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا رَوَى الدَّارَقُطْنِيّ مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ مَرْفُوعًا {قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ فِي الْحَقِّ بِشَاهِدَيْنِ، فَإِنْ جَاءَ بِشَاهِدَيْنِ أَخَذَ حَقَّهُ وَإِنْ جَاءَ بِشَاهِدٍ وَاحِدٍ حَلَفَ مَعَ شَاهِدِهِ} وَأَجَابَ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ بِأَنَّ الزِّيَادَةَ عَلَى الْقُرْآنِ نَسْخٌ، وَأَخْبَارُ الْآحَادِ لَا تَنْسَخُ الْمُتَوَاتِرَ وَلَا تُقْبَلُ الزِّيَادَةُ مِنْ الْأَحَادِيثِ إلَّا إذَا كَانَ الْخَبَرُ بِهَا مَشْهُورًا.

وَأُجِيبَ بِأَنَّ النَّسْخَ رَفْعُ الْحُكْمِ وَلَا رَفْعَ هُنَا.

وَأَيْضًا فَالنَّاسِخُ وَالْمَنْسُوخُ لَا بُدَّ أَنْ يَتَوَارَدَا عَلَى مَحَلٍّ وَاحِدٍ وَهَذَا غَيْرُ مُتَحَقِّقٍ فِي الزِّيَادَةِ عَلَى النَّصِّ وَغَايَةُ مَا فِيهِ أَنَّ تَسْمِيَةَ الزِّيَادَةِ كَالتَّخْصِيصِ نَسْخًا اصْطِلَاحٌ وَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ نَسْخُ الْكِتَابِ بِالسُّنَّةِ، لَكِنَّ تَخْصِيصَ الْكِتَابِ بِالسُّنَّةِ جَائِزٌ، وَكَذَلِكَ الزِّيَادَةُ عَلَيْهِ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: {وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ} وَأَجْمَعُوا عَلَى تَحْرِيمِ نِكَاحِ الْعَمَّةِ مَعَ بِنْتِ أَخِيهَا، وَسَنَدُ الْإِجْمَاعِ فِي ذَلِكَ السُّنَّةُ الثَّابِتَةُ، وَكَذَلِكَ قَطْعُ رِجْلِ السَّارِقِ فِي الْمَرَّةِ الثَّانِيَةِ وَنَحْوُ ذَلِكَ.

وَقَدْ أُخِذَ مِنْ رَدِّ الْحُكْمِ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ لِكَوْنِهِ زِيَادَةً عَلَى مَا فِي الْقُرْآنِ وَتَرْكِ الْعَمَلِ بِأَحَادِيثَ كَثِيرَةٍ فِي أَحْكَامَ كَثِيرَةٍ كُلُّهَا زَائِدَةٌ عَلَى مَا فِي الْقُرْآنِ كَالْوُضُوءِ بِالنَّبِيذِ وَالْوُضُوءِ مِنْ الْقَهْقَهَةِ وَمِنْ الْقَيْءِ وَاسْتِبْرَاءِ الْمَسْبِيَّةِ وَتَرْكِ قَطْعِ مَنْ سَرَقَ مَا يُسْرِعُ إلَيْهِ الْفَسَادُ، وَشَهَادَةُ الْمَرْأَةِ الْوَاحِدَةِ فِي الْوِلَادَةِ، وَلَا قَوَدَ إلَّا بِالسَّيْفِ، وَلَا جُمُعَةَ إلَّا فِي مِصْرٍ جَامِعٍ، وَلَا تُقْطَعُ الْأَيْدِي فِي الْغَزْوِ، وَلَا يَرِثُ الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ، وَلَا يُؤْكَلُ الطَّافِي مِنْ السَّمَكِ، وَيَحْرُمُ كُلُّ ذِي نَابٍ مِنْ السِّبَاعِ وَمِخْلَبٍ مِنْ الطَّيْرِ، وَلَا يُقْتَلُ الْوَالِدُ بِالْوَلَدِ، وَلَا يَرِثُ الْقَاتِلُ مِنْ الْقَتِيلِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأَمْثِلَةِ الَّتِي تَتَضَمَّنُ الزِّيَادَةَ عَلَى عُمُومِ الْكِتَابِ وَأَجَابُوا بِأَنَّ الْأَحَادِيثَ الْوَارِدَةَ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ الْمَذْكُورَةِ أَحَادِيثُ شَهِيرَةٌ فَوَجَبَ الْعَمَلُ بِهَا لِشُهْرَتِهَا فَيُقَالُ لَهُمْ: وَأَحَادِيثُ الْقَضَاءِ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ رَوَاهَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَيِّفٌ وَعِشْرُونَ نَفْسًا كَمَا قَدَّمْنَا، وَفِيهَا مَا هُوَ صَحِيحٌ كَمَا سَلَفَ، فَأَيُّ شُهْرَةٍ تَزِيدُ عَلَى هَذِهِ الشُّهْرَةِ.

قَالَ الشَّافِعِيُّ: الْقَضَاءُ بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ لَا يُخَالِفُ ظَاهِرَ الْقُرْآنِ لِأَنَّهُ لَا يَمْنَعُ أَنْ يَجُوزَ أَقَلُّ مِمَّا نَصَّ عَلَيْهِ، يَعْنِي وَالْمُخَالِفُ لِذَلِكَ لَا يَقُولُ بِالْمَفْهُومِ أَصْلًا فَضْلًا عَنْ مَفْهُومِ الْعَدَدِ قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: أَظْرَفُ مَا وَجَدْت لَهُمْ فِي رَدِّ الْحُكْمِ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ أَمْرَانِ: أَحَدُهُمَا أَنَّ الْمُرَادَ قُضِيَ بِيَمِينِ الْمُنْكِرِ مَعَ شَاهِدِ الطَّالِبِ وَالْمُرَادُ أَنَّ الشَّاهِدَ الْوَاحِدَ لَا يَكْفِي فِي ثُبُوتِ الْحَقِّ فَتَجِبُ الْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، فَهَذَا الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ:"قَضَى بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ"وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ الْعَرَبِيِّ بِأَنَّهُ جَهْلٌ بِاللُّغَةِ لِأَنَّ الْمَعِيَّةَ تَقْتَضِي أَنْ تَكُونَ مِنْ شَيْئَيْنِ فِي جِهَةٍ وَاحِدَةٍ لَا فِي الْمُتَضَادَّيْنِ.

ثَانِيهُمَا: حَمْلُهُ عَلَى صُورَةٍ مَخْصُوصَةٍ.

وَهِيَ أَنَّ رَجُلًا اشْتَرَى مِنْ آخَرَ عَبْدًا مَثَلًا، فَادَّعَى الْمُشْتَرِي أَنَّ بِهِ عَيْبًا وَأَقَامَ شَاهِدًا وَاحِدًا، فَقَالَ الْبَائِعُ: بِعْته بِالْبَرَاءَةِ فَيَحْلِفُ الْمُشْتَرِي أَنَّهُ مَا اشْتَرَاهُ بِالْبَرَاءَةِ وَيُرَدُّ الْعَبْدُ.

وَتَعَقَّبَهُ بِنَحْوِ مَا تَقَدَّمَ وَبِنُدُورِ ذَلِكَ فَلَا يُحْمَلُ الْخَبَرُ عَلَى النَّادِرِ وَأَقُولُ: جَمِيعُ مَا أَوْرَدَهُ الْمَانِعُونَ مِنْ الْحُكْمِ بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ غَيْرُ نَافِقٍ فِي سُوقِ الْمُنَاظَرَةِ عِنْدَ مَنْ لَهُ أَدْنَى إلْمَامٍ بِالْمَعَارِفِ الْعِلْمِيَّةِ، وَأَقَلُّ نَصِيبٍ مِنْ إنْصَافٍ فَالْحَقُّ أَنَّ أَحَادِيثَ الْعَمَلِ بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ زِيَادَةٌ عَلَى مَا دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ} الْآيَةَ، وَعَلَى مَا دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"شَاهِدَاكَ أَوْ يَمِينُهُ"غَيْرُ مُنَافِيَةٍ لِلْأَصْلِ فَقَبُولُهَا مُتَحَتِّمٌ.

وَغَايَةُ مَا يُقَالُ عَلَى فَرْضِ التَّعَارُضِ وَإِنْ كَانَ فَرْضًا فَاسِدًا أَنَّ الْآيَةَ وَالْحَدِيثَ الْمَذْكُورَيْنِ يَدُلَّانِ بِمَفْهُومِ الْعَدَدِ عَلَى عَدَمِ قَبُولِ الشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ وَالْحُكْمِ بِمُجَرَّدِهِمَا، وَهَذَا الْمَفْهُوم الْمَرْدُودُ عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْأُصُولِ لَا يُعَارِضُ الْمَنْطُوقَ وَهُوَ مَا وَرَدَ فِي الْعَمَلِ بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ عَلَى أَنَّهُ يُقَالُ الْعَمَلُ بِشَهَادَةِ الْمَرْأَتَيْنِ مَعَ الرَّجُلِ مُخَالِفٌ لِمَفْهُومِ حَدِيثِ"شَاهِدَاك أَوْ يَمِينُهُ".

فَإِنْ قَالُوا قَدَّمْنَا عَلَى هَذَا الْمَفْهُومِ مَنْطُوقَ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ.

قُلْنَا: وَنَحْنُ قَدَّمْنَا عَلَى ذَلِكَ الْمَفْهُومِ مَنْطُوقَ أَحَادِيثِ الْبَابِ.

هَذَا عَلَى فَرْضِ أَنَّ الْخَصْمَ يَعْمَلُ بِمَفْهُومِ الْعَدَدِ، فَإِنْ كَانَ لَا يَعْمَلُ بِهِ أَصْلًا فَالْحُجَّةُ عَلَيْهِ أَوْضَحُ وَأَتَمُّ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت