أَوْ الْمُطْلَقِ بِمُقَيَّدِ (1)
(1) -القاعدة الحادية عشرة: (يبنى المطلق على المقيد عند الاتفاق في الحكم)
وهذه القاعدة العظيمة مهمة جدًا لطالب الأصول، لأنها ينبني عليها من الفروع الشيء الكثير، فلابد للطالب من فهمها وإتقانها، ومن باب تسهيلها أتكلم عليها في عدة مسائل:
(المسألة الأولى) المطلق لغة: هو المنفك من كل قيد حسيًا كان أو معنويًا
واصطلاحًا: هو اللفظ المتناول لفردٍ شائعٍ في جنسه، أي يدل على فردٍ واحدٍ، لكن هذا الفرد ليس بمحددٍ ولا بمعين، فليس بمتميزٍ من جملة أفراد جنسه فهو شائع فيها، والمراد بقولنا (شائع) أي غير متميز، وذلك كقولي: أكرم طالبًا، فبالطبع لا تفهم أني أمرتك بأن تكرم كل طالب، وإنما فهمت مني الأمر بإكرام طالب واحدٍ فقط، لكن ماهية هذا الطالب وصفاته وقيوده غير محددة فهو طالب من جملة الطلبة، فلفظة (طالبًا) لفظ مطلق لأنه يدل على فرد غير متميز عن جملة حقيقته، وقال تعالى: (فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ (وهذا أمر بإعتاق رقبة، فهي رقبة واحدة، لكنها مطلقة شائعة في جنس الرقاب لا تتميز عنهم بشيء، فلم يحدد لنا صفةً لهذه الرقبة تميزها عن جنس الرقاب، وهكذا فالمطلق إذًا لا يفهم منه إلا تعيين الحقيقة لا تعيين الأفراد. وهذه الحقيقة التي دل عليها اللفظ مركبة من جملة أفراد، واللفظ المطلق عين الحقيقة لكن لم يتعرض للأفراد بوصف ولا قيد فلذلك سمي مطلقًا، لأنه ذكر الحقيقة منفكةً عن كل قيدٍ، فأنت عرفت بقوله تعالى: (فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ (جنس المراد عتقه وهو الرقبة، لكن أي رقبةٍ هي، وبأي ديانةٍ تكون، ومن أي الأجناس، عربية أم أعجمية، بيضاء أم سوداء، صغيرة أم كبيرة، ذكر أم أنثى، كل ذلك لم يتعرض له النص بشيء وإنما ذكر لك لفظًا مطلقًا عن كل قيدٍ فهذا هو اللفظ المطلق، وأما المقيد: فهو اللفظ الدال على شيءٍ معين باسمٍ أو صفةٍ، كأسماء الأعلام مثلًا أو الإشارة أو المعرف بالألف واللام ونحوها، كل ذلك يسمى مقيدًا، لأنه يدل على شيءٍ زائدٍ على مجرد الحقيقة، فهو يذكر لك الحقيقة ويقيد لك الفرد الذي يريده منها باسمه أو صفته التي تميزه عن غيره من جملة أفراد هذه الحقيقة، كقوله تعالى في كفارة قتل الخطأ: (فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ (فإنها هنا لم تذكر مطلقة كما ذكرت في كفارة الظهار، بل قيدت بوصف حددها وميزها عن غيرها وهو قوله: (مُؤْمِنَةٍ (فهذا الوصف حدد لنا المراد بالرقبة، وإن كان قد بقي فيها بعض جوانب الإطلاق، فكلمة (مُؤْمِنَةٍ (لفظ قيد الرقبة وأخرجها عن إطلاقها، لأنها لم تعد بعد تقييدها منفكة من القيود، فهذا بالنسبة لتعريفهما. وخلاصته: أن اللفظ المطلق يدل على الحقيقة مجردة عن وصفٍ زائدٍ، والمقيد يدل على الحقيقة بزيادةٍ قيدٍ من اسم أو وصف، والله أعلم.
(المسألة الثانية) اعلم أن النكرة إذا وردت في سياق الإثبات فهي من الألفاظ المطلقة كقوله تعالى: (فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ (فهنا إثبات، ولفظ (رَقَبَةٍ (نكرة فهي إذًا لفظ مطلق، وكقولي(أكرم ضيفًا) فهذا إثبات للإكرام وأمرٌ به، ولفظ (ضيفًا) نكرة فهو إذًا مطلق لأن النكرة في سياق الإثبات مطلقة، وكقولي (أعط فقيرًا صدقة) فهذا إثبات و (فقيرًا) نكرة، وكذلك لفظ (صدقة) نكرة أيضًا، فهما نكرتان في سياق إثبات فهي إذًا لفظ مطلق، وكقوله تعالى: (وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ (فـ (آتُوا (أمر و (حَقَّهُ (نكرة، فهو إذًا لفظ مطلق، وهكذا فأي نكرة تأتيك في سياق الإثبات فاعلم أنها من جملة الألفاظ المطلقة.
(المسألة الثالثة) اعلم - أرشدك الله لطاعته - أن الدليل المطلق يجب العمل به على إطلاقه ولا يجوز تقييده إلا بدليل صحيح، لا بمجرد الهوى والمذاهب وأقوال الأئمة، وأن الدليل يطلب ممن ادعى التقييد، لأنه مدعٍ والبينة على المدعي، فإذا جاء بدليلٍ شرعي صحيح مثبتٍ لهذا القيد قبلناه، وإلا فهو مردود عليه، وذلك لأن الدليل المطلق من كلام الله تعالى ورسوله (وكلاهما لا يجوز التحكم فيه بتقييدٍ أو اشتراط أو تقديم أو تأخير إلا بدليل آخر من كلامهما، أما التحكم والهوى والتعصب فكل ذلك لا يصلح أن يكون مستندًا للعقلاء في تقييد المطلق من كلام الله ورسوله (، فأي حكم ورد في الكتاب والسنة مطلقًا فإنه يجرى وجوبًا على إطلاقه ولا يقيد إلا بدليل صحيح، ولأن هذه الشريعة من مقاصدها التيسير على المكلفين، وإن إطلاق الأحكام الشرعية عن القيود نوع من أنواع التيسير والتخفيف، لأن القيد فيه تكليف زائد على التكليف بالمطلق، وزيادة التكليف قد توجب عدم الامتثال، فورود الأحكام مطلقة من رحمة الله تعالى بعباده، فلا يجوز لأحدٍ من الناس أن يقيد المطلق بقيودٍ تخرجه من حيز التيسير إلى حيز التعسير كما يفعله بعض الفقهاء - هداهم الله تعالى - فإن بعضهم: - وهم قليل - يعمدون إلى أحكامٍ وردت في الشريعة مطلقة لا قيود فيها ثم يشترطون فيها شروطًا لا دليل عليه فيضيقون على الناس ما وسعه الله عليهم حتى تذهب روح التشريع من هذا الحكم فيكون في تنفيذه من الآصار والأغلال بسبب هذه القيود الشيء الكثير، ونضرب لك أمثلة على ذلك حتى ترى كيف أثر هذه القاعدة أعني قاعدة وجوب إجراء المطلق على إطلاقه فأقول:
من الأمثلة: المسح على الخفين فإنه رخصة بإجماع أهل السنة والجماعة، حتى ذكره بعض علماء الاعتقاد في كتبهم كالطحاوي وغيره في عقيدته، وأصل تشريعه إنما هو الرحمة وإرادة التخفيف، وإن الأدلة الدالة على جواز المسح على الخفين والجوربين بلغت مبلغ التواتر، وبالنظر فيها لم أجد غالب ما يشترطه الفقهاء في الخفين، فإنهم قد اشترطوا لجواز المسح عليها شروطًا لا دليل عليها، أو لها أدلة لكنها ليست بصريحة فضلًا عن مخالفتها للأدلة الصحيحة وأصول الشريعة، فمن ذلك اشتراط كونه صفيقًا لا يرى لون البشرة من تحته، فهذا قيد يقيدون به أدلة المسح المطلقة، فنقول: وأين الدليل الدال على هذا القيد؟ وعلى اعتباره فإن أتوا بدليل - وأنى لهم به - وإلا فكلامهم مردود، ولذلك فالراجح جواز المسح على الخف الشفاف الذي ترى من تحته البشرة، لأن الأدلة وردت مطلقة والأصل إجراء المطلق على إطلاقه ولا يقيد إلا بدليل.
ومن ذلك: اشتراطهم أن يكون الخف سليمًا من الخروق والفتوق، وهذا أيضًا تقييد للمطلق فنقول: وأين الدليل الدال على هذا القيد؟ وإلا فهو قيد باطل لا ينظر إليه، وإنك إذا نظرت إلى تعليلهم في اشتراط كونه سليمًا من الخروق وجدته عليلًا وقياسًا باطلًا، فالصواب هو جواز المسح على الخف المخرق مادام اسمه باقيًا، ويمكن متابعة المشي فيه وهو اختيار أبي العباس شيخ الإسلام.
ومن ذلك: اشتراطهم في جواز المسح أن يثبت الخف بنفسه، فالذي لا يثبت إلا بشده فإنه لا يجوز المسح عليه، وهذا أيضًا قيد يحتاج إلى دليل، فأين الدليل الدال على ذلك؟ فالصواب جواز المسح على الخف ولو لم يثبت إلا بشده لأن الأدلة في المسح وردت مطلقة فلا تقيد إلا بدليل.
ومن ذلك: اشتراطهم لجواز المسح على الخفين في السفر ثلاثة أيامٍ ولياليهن أن يكون سفر طاعة، وهذا قيد يحتاج إلى دليل لأن الأحاديث أثبتت جواز المسح ثلاثة أيامٍ ولياليهن للمسافر هكذا مطلقًا من غير تقييد بسفرٍ دون سفر فأين الدليل الدال على هذا القيد؟ فهو إذًا باطل، فالمسافر يمسح المدة المقررة له شرعًا من غير اشتراط أن يكون سفر طاعة وهو اختيار أبي العباس شيخ الإسلام.
وعلى العموم فإنني سبرت الشروط التي يشترطها الفقهاء في المسح على الخفين فلم أجد شيئًا منها صالحًا للاعتبار إلا شرطين فقط وهما: اشتراط الطهارة، وأن يكونا طاهرين مباحين، وهذان القيدان لهما أدلة كثيرة يطول المقام بذكرها وبه تعرف أهمية قاعدة إجراء المطلق على إطلاقه وعدم قبول تقييده إلا بدليل شرعي صحيح، وهذا هو المثال الأول.
المثال الثاني: المسح على العمامة فإن الأدلة فيها وردت مطلقة إلا أنك ترى بعض الفقهاء قد اشترط فيها شروطًا وقيدها بقيودٍ لا دليل عليها.
فمن ذلك: اشتراط أن تكون محنكة أو ذات ذؤابة فأين الدليل على ذلك؟
فإني بحثت لهم عن دليل فلم أجد إلا قولهم: لأنها عمائم العرب ومثل ذلك لا يكون مقيدًا لكلام الشارع ولذلك فهذه القيود باطلة والصواب أن المسح جائز على ما يسمى عمامة بأي عرفٍ كانت وعلى أي صفة كانت.
ومن ذلك: اشتراط الطهارة قبل لبسها وهذا أيضًا لا دليل عليه وقياسها على المغسول في الوضوء كالقدمين للابس الخفين قياس مع الفارق فالصواب أنه يجوز المسح عليها ولو لبسها على حدثٍ وهو اختيار أبي العباس لأن الأدلة وردت مطلقة وليس في شيءٍ منها اشتراط الطهارة.
ومن ذلك: توقيتها بيومٍ وليلة للمقيم وثلاثة أيامٍ للمسافر كالخفين وهو تقييد لا دليل عليه ولذلك فالصواب أنه يمسح عليها مطلقًا لأن الأدلة وردت مطلقة ولم تقيد المسح عليها بوقت والمطلق يجري على إطلاقه ولا يقيد إلا بدليل وهو اختيار أبي العباس.
المثال الثالث: المسح على خمر النساء فإن الأدلة فيه وردت مطلقة فالنبي (مسح على الخفين والخمار، والخمار اسم لما يغطى به الرأس وكانت أم سلمة تمسح على خمارها وهذه الأدلة مطلقة فمن قيدها بشيءٍ فعليه الدليل، وبه تعرف خطأ من قيد جواز المسح على الخمار بكونه مدارًا تحت الحنك فإن هذا القيد لا أصل له في كلام الله ورسوله فالصواب جواز المسح على الخمار ولو لم يكن مدارًا تحت الحلق والله أعلم.
ومن الأمثلة أيضًا: وجوب صلاة الجمعة، فإن الأدلة دلت على وجوبها إذا تحققت الجماعة، هكذا وردت الأدلة، فمن قيد وجوبها بعددٍ معين فعليه الدليل، وإني لا أعلم إلى ساعتي هذه دليلًا صحيحًا صريحًا في الأعداد التي نص عليها الفقهاء، فالحنابلة يشترطون الأربعين ولا دليل معهم إلا حديث جابر (( مضت السنة أن في كل أربعين فصاعدًا جمعة ) )وهذا ضعيف جدًا ولا تقوم بمثله الحجة، وبعضهم يشترط اثني عشر رجلًا ويستدل بحديث جابر عند مسلم في قدوم القافلة من الشام قال: (( فانفتل الناس إليها حتى لم يبق معه إلا اثنا عشر رجلًا ) )وهذا وإن كان صحيحًا لكنه ليس بصريح في المراد وبما أنه لا دليل يقيد وجوبها بعددٍ معين فالأصل أنه إذا تحقق مسمى الجماعة ممن تجب عليه فإنه تجب عليهم وأقل الجماعة اثنان واحد يخطب وواحد يستمع، أو على الأقل يقال: أقل الجمع ثلاثة واحد يخطب واثنان يستمعان، وعلى كل حال فالمراد أن تعرف أن الدليل المطلق يجرى على إطلاقه ولا يقيد إلا بدليل صحيح صريح.
ومن الأمثلة أيضًا: ألفاظ النكاح والبيع ونحوها من سائر العقود وردت أدلتها مطلقة لم تقيد بلفظٍ لا تصح إلا به، فمن قيد صحتها بألفاظٍ وشروطٍ معينة فعليه الدليل ولذلك فالراجح أن عقود النكاح والبيع ونحوها تصح بما تعارف عليه الناس في مثلها من قول أو فعل وهو اختيار أبي العباس والله أعلم.
والمقصود من هذه الأمثلة التي ذكرتها لك أن تعرف معرفة جيدة أن الأدلة المطلقة تبقى هكذا على إطلاقها ومن ادعى فيها قيدًا أو شرطًا زائدًا على مجرد حقيقتها فعليه الدليل فإن جاء بدليل شرعي صحيح صريح فاقبله واعتمده وإن لم يكن ثمة دليل معه وإنما هي المذاهب وأقوال الأئمة فاطرح هذا القيد وأبق المطلق على إطلاقه، فهذا هو الذي أردنا إثباته في هذه المسألة والله يتولانا وإياك.
المسألة الرابعة: وهي بيت القصيد ولب القاعدة وهي فيما إذا كان لفظ مطلق ولفظ آخر مقيد، فما العمل في هذه الحالة؟
والجواب عن ذلك أن في المسألة تفصيلًا يحتاج إلى فهم دقيق مع الإكثار من ضرب الأمثلة، فأقول وبالله التوفيق ومنه أستمد الفضل وحسن التحقيق.
اعلم - رحمك الله تعالى - أنه إذا ورد لفظ مطلق ولفظ آخر مقيد أنك تنظر في سبب ورودهما والحكم الذي يدلان عليه، ذلك لأن الأدلة التي تثبت أحكامًا شرعية لها سبب وردت من أجله وحكم تريد إثباته فأنت عليك أولًا أن تنظر في سبب كل منهما وتنظر في حكم كلٍ منهما وحينئذٍ إذا نظرت في ذلك فلا يخلو الأمر من أربع حالات:
الحالة الأولى: أن يختلفا في السبب والحكم، أي يكون سبب ورودهما مختلفًا عن سبب الآخر، وكذلك الحكم، فحكم المطلق يختلف تمامًا عن حكم المقيد ففي هذه الحالة لا يبنى أحدهما على الآخر بل يعمل بالدليل المطلق في موضعه مطلقًا، ويعمل بالدليل المقيد في موضعه مقيدًا وهذا بإجماع الأصوليين فيما أعلم ولله الحمد والمنة.
ونضرب لهما بمثالين ولن نطيل فيهما:
المثال الأول: قوله تعالى في السرقة (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا (فاليد هنا وردت مطلقة ولم تقيد بحدٍ، فهذا الدليل مطلق، وسببه السرقة، وحكمه وجوب قطع اليد، وقال تعالى في آية الوضوء (وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ (فاليد هنا وردت مقيدة بالمرفق، والسبب هو الوضوء، والحكم وجوب الغسل، فهنا ذكرت اليد في الآيتين مطلقة في آية السرقة ومقيدة في آية الوضوء، فهل نحمل المطلق على المقيد ونقول إذًا يد السارق تقطع من المرفق كما أن اليد في الوضوء تغسل إلى المرفق؟
فالجواب: هو أن ننظر أولًا في سببهما وحكمهما، فسبب الأولى السرقة وسبب الثانية الوضوء، فهما إذًا مختلفتان في سببهما، وحكم الأولى وجوب قطع اليد، وحكم الثانية وجوب غسل اليد، والقطع يختلف عن الغسل فهما إذًا المطلق والمقيد مختلفان في سببهما وحكمهما فهنا لا يبنى المطلق على المقيد بل يعمل بآية السرقة في موضعها فلا تقيد بالمرفق لكننا وجدنا لآية السرقة مقيدًا صحيحًا معتبرًا كما سيأتي إن شاء الله في الحالة الرابعة.
ومن الأمثلة أيضًا: قوله تعالى في آية التيمم (فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ (فاليد هنا في التيمم وردت مطلقة لم تقيد بشيء لا بمرفقٍ ولا غيره ثم وجدناها قيدت في آية الوضوء بالمرفق كما مضى، فهل نقول كما أنها في الوضوء إلى المرفق فكذلك في التيمم؟ فهل يبنى المطلق على المقيد في هذه الحالة؟
الجواب: عليك بالنظر في السبب والحكم، فسبب الدليل المطلق الذي هو آية التيمم سببه بيان التيمم، وسبب الدليل المقيد بيان الوضوء، والوضوء شيء والتيمم شيء آخر، فهما مختلفان في الحد والكيفية، وحكم الدليل المطلق وجوب مسح اليد بالصعيد الطيب، وحكم الثانية وجوب غسل اليد بالماء، والمسح شيء والغسل شيء آخر، فإذًا المطلق والمقيد هنا قد اختلفا في الحكم والسبب فلا يبنى حينئذٍ المطلق على المقيد، هكذا مثل به بعض الأصوليين، وسيأتي المثال نفسه في الحالة الثالثة إن شاء الله تعالى.
فإن قلت: كيف تقول لا يبنى المطلق على المقيد في هذه الحالة وقد قال جمع من العلماء بأن اليد في التيمم تمسح إلى المرفق؟
فأقول: إن الذين قالوا ذلك إنما استدلوا بأمرين:
أولًا: بالقياس على الوضوء ولكنه قياس باطل لأنه مع الفارق.
الثاني: بحديث ابن عمر يرفعه (( التيمم ضربتان، ضربة للوجه وضربة لليدين إلى المرفقين ) )وهو حديث صريح لكنه لا يصح من جهة سنده. بهذين استدلوا فيما أعلم، لكن وإن قال بعضهم بأن المطلق يبنى على المقيد هنا فهو كلام باطل أيضًا لأن المطلق والمقيد هنا مختلفان في الحكم والسبب. والصواب في هذا أن اليد في التيمم تمسح إلى الرسغ لحديث عمار في الصحيحين ولأن اليد إذا أطلقت فإنه يراد بها الكف فقط، وإن أريد غير ذلك فإنه يرد مقيدًا هذا هو المعروف باستقراء أدلة الشريعة والله أعلم.
فهذه هي الحالة الأولى فإذا كان المطلق والمقيد مختلفين في السبب والحكم فإنه لا يحمل أحدهما على الآخر بل يعمل بكل منهما في موضعه على دلالته.
الحالة الثانية: أن يتفقا في الحكم والسبب، أي أن يكون سببهما واحدًا، فهنا لاشك يبنى المطلق على المقيد بإجماع أهل العلم فيما أعلم وإن كان بعضهم ذكر خلافًا عن الحنفية لكن لا أظنه يصح عن إمامهم - عليه الرحمة والرضوان وأدخله الله فسيح الجنان - فالإجماع هنا قد نص عليه كبار أئمة أهل الأصول وفحوله كالقاضي الباقلاني وابن فورك والقاضي عبد الوهاب والكيا الطبري والشريف أبي عبد الله التلمساني وأي كلام مع نقل هؤلاء الفحول الكبار. وابن برهان أيضًا نقل في الأوسط خلاف أصحاب أبي حنيفة في هذا القسم وصحح مذهبهم أنه يحمل، ونقل أيضًا أبو زيدٍ الحنفي وأبو منصور الماتريدي عن أبي حنيفة أنه يقول بالحمل في هذه الصورة، فتحرر والله أعلم أن المسألة شبه إجماع أو إجماع.
وهذه الحالة لها أمثلة كثيرة جدًا لكن قبل الدخول فيها أود أن أوضح لك ما معنى قولنا (يحمل) أو (يبنى) المطلق على المقيد، ومعناه: أن نجعل هذا القيد الوارد مقيدًا للدليل المطلق، فالإطلاق ينتهي وسيتضح أكثر مع سياق الفروع الفقهية، فأقول:
منها: الدم ورد مطلقًا وورد مقيدًا في قوله (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنزِيرِ (فلم يحدد دمًا؟ ولم يصفه بشيء، فهو دم مطلق، وورد مقيدًا في قوله (أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا (فقيد الدم بكونه مسفوحًا وسبب الأول: سياق المحرمات من الأطعمة، وسبب الثاني أيضًا سياق المحرمات من الأطعمة، فهما متفقان في السبب وحكم الأول تحريم الدم، وحكم الثاني أيضًا تحريم الدم، فهما أيضًا متفقان في الحكم فالمطلق والمقيد هنا متفقان في الحكم والسبب، فسببهما واحد وحكمهما واحد، فيحمل المطلق على المقيد في هذه الحالة فنقول: إنما الدم المحرم هو الدم المسفوح، فالدم المطلق في آية المائدة مقيد بكونه مسفوحًا كما في آية الأنعام فانتهى الإطلاق بعد هذا القيد، ولذلك فالراجح أن الدم الذي يبقى في العروق بعد الذبح وخروج الدم المسفوح أنه دم طاهر وعليه يحمل حديث عائشة(( فنأكله وخطوط الدم على القدر ) ).
وكذلك دم الجرح أيضًا طاهر لعدم الدليل الدال على نجاسته والأصل في الأعيان الطهارة ومن نجسها فعليه الدليل، ولا يستدل عليه بقوله تعالى (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ (لأن الدم المراد هنا هو الدم المسفوح لوروده مقيدًا في آية الأنعام مع الاتفاق في الحكم والسبب والله أعلم.
ومنها: ولي النكاح وشهوده، فقال النبي (((لا نكاح إلا بولي وشهود ) )فالولي هنا مطلق وكذلك الشهود، وقال عليه الصلاة والسلام (( لا نكاح إلا بولي مرشد وشاهدي عدلٍ ) )فورد الولي هنا مقيدًا بالرشد والشهود قيدوا بالعدالة فهل يحمل المطلق على المقيد هنا؟ الجواب: ننظر أولًا في السبب والحكم، فسبب الأول: بيان شروط النكاح، وسبب الثاني: أيضًا بيان شروط النكاح، فهما إذًا متفقان في السبب، وحكم الأول اشتراط الولي والشهود، وحكم الثاني أيضًا اشتراط الولي والشهود لكن بصفةٍ زائدة، فهما أيضًا متفقان في الحكم، فالمطلق والمقيد إذًا اتحد سببهما وحكمهما فلاشك بحمل المطلق على المقيد في هذه الحالة فنقول: يشترط الرشد في الولي ويشترط العدالة في الشهود وهو القول الصحيح والله أعلم.
ومنها: قوله (((إذا فرغ أحدكم من التشهد فليستعذ بالله من أربع يقول: اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم ومن عذاب القبر ومن فتنة المحيا والممات ومن فتنة المسيح الدجال ) )متفق عليه، فإن لفظ (التشهد) لفظ مطلق لم يحدد بما إذا كان الأول أو الأخير، لكن ورد في رواية مسلم (( إذا فرغ أحدكم من التشهد الأخير فليقل ) )فهنا ورد التشهد مقيدًا، وسببهما بيان سنية الدعاء في التشهد، وحكمهما استحباب هذا الدعاء، فلاشك يبنى المطلق على المقيد في هذه الحالة فلا يسن هذا الدعاء إلا في التشهد الأخير.
ومنها: زكاة الغنم، فإن الغنم وردت مطلقة ومقيدة، فوردت مطلقة في قوله (((في أربعين شاةٍ شاة ) )رواه أحمد وأبو داود والترمذي وغيرهم، فالغنم هنا لم توصف بشيء يقيدها فيدخل فيها السائمة والمعلوفة، ووردت مقيدة بوصف (السوم) في قوله (((وفي صدقة الغنم في سائمتها ) )وفي رواية (( في سائمة الغنم إذا كانت أربعين ففيها شاة ) )أخرجه البخاري، فهل يبنى المطلق على المقيد هنا؟
الجواب: ننظر في سببهما وحكمهما، أما سببهما فبيان وجوب زكاة الغنم، فهما متفقان في السبب، وأما حكمهما فهو وجوب الزكاة في الغنم فهما أيضًا متفقان في الحكم فلاشك في بناء المطلق على المقيد في هذه الحالة فنقول: لا زكاة إلا في الغنم السائمة الحول أو أكثره، أما المعلوفة فلا زكاة فيها والله أعلم.
ومنها: قوله تعالى: (وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى (فهو مطلق في الذكر فلم يحدد نوعًا دون نوع، وقال النبي (:(( تحريمها التكبير ) )وهذا مقيد في تحديد هذا الذكر وسببهما: الأمر بذكر الله تعالى عند الصلاة وحكمهما وجوب هذا الذكر لكنه مطلق في الأولى مقيد في الثانية فيحمل حينئذٍ المطلق على المقيد، فنقول: إن المراد بقوله تعالى (وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ (المراد به قوله(الله أكبر) لحديث علي هذا فلا يجزئ غيرها عنها، فالاستدلال بالآية على جواز الدخول في الصلاة بأي ذكر ليس بصحيح لأنها قيدت بالتكبير وإذا قيد المطلق بشيء فإن دلالته تكون مقصورة على هذا القيد لا تتعداه إلى غيره، والله أعلم.
ومنها: رفع الإصبع في الصلاة، فإنه ورد مطلقًا ومقيدًا، فورد مطلقًا في حديث ابن عمر قال:"كان النبي (إذا قعد في الصلاة وضع يده اليمنى على فخذه اليمنى واليسرى على اليسرى وعقد ثلاثًا وخمسين وأشار بإصبعه السبابة"رواه مسلم، فرفع الإصبع هنا مطلق في كل قعود وبذلك استدل من قال بمشروعية رفع الإصبع في الجلسة بين السجدتين لأنها قعود في الصلاة، لكن ورد رفع الإصبع مقيدًا في بعض الروايات الصحيحة أنه رفع في التشهد فقط، وسببهما واحد وحكمهما واحد فالمطلق هنا يحمل على المقيد، فنقول: إنما السنة في رفع الإصبع أن يكون في قعود التشهد لا غيره، لأن جميع الروايات المطلقة في القعود قيدت بقعود التشهد، فمن اعتقد سنية رفع الإصبع في الجلوس بين السجدتين فليأت بدليل غير هذه الأدلة المطلقة لأنها قد قيدت، وإذا قيد المطلق فإنه لا يستدل به إلا على ما قيد به فقط، والله أعلم
ومنها: قوله تعالى في نفقة النساء (فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ (فهو مطلق في هذه النفقة لكن قيدت هذه النفقة بقوله (:(( خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف ) )وسببهما واحد، وحكمهما واحد وهو وجوب نفقة النساء، فيحمل المطلق على المقيد.
فنقول: إنما الواجب في النفقة هو ما قرره العرف لقوله تعالى (ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف (، فما عده الناس من النفقة الواجبة فهو واجب، وما عدوه من النفقة المستحبة فهو مستحب وذلك حملًا للمطلق على المقيد، والله أعلم.
ومنها: الرضاع فإنه ورد مطلقًا ومقيدًا، فالمطلق في قوله تعالى (وأخواتكم من الرضاعة (، وقوله (:(( يحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب ) )فهو مطلق لم يحدد عددًا للرضعات التي بها يكون مُحَرِّمًا، لكنه ورد مقيدًا في حديث عائشة المشهور"ثم نسخن بخمسٍ معلومات"وسببهما واحد وحكمهما واحد، فيبنى المطلق على المقيد، فنقول: لا يحرم الرضاع إلا إذا كان بخمس رضعات معلومات، حملًا للمطلق على المقيد.
ومنها: قوله تعالى: (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا (فهو مطلق في اليد لأنها لم تحدد، لكن ورد ذلك مقيدًا في قراءة عبد الله بن عمرو ابن العاص باليمين وهي قراءة شاذة لكنها حجة إذا صح سندها، وقيد أيضًا بفعل النبي (فإنه قطع يمين السارق وكذلك قيد بفعل الخلفاء الراشدين وبإجماع المسلمين من بعدهم، وبأن اليد إذا أطلقت إنما يراد بها الكف لا غير، فكل ذلك يعد مقيدًا لليد في الآية، فنقول: يد السارق والسارقة تقطع من مفصل الكف حملًا للمطلق على المقيد.
ومنها: صيام كفارة اليمين، فإنه ورد مطلقًا في قوله تعالى: (فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ (فلم يقيد بالتتابع، لكنه ورد مقيدًا به في قراءة ابن مسعود(فصيام ثلاثة أيامٍ متتابعات) وهي قراءة شاذة لكنها حجة إذا صح سندها، فيحمل المطلق على المقيد فنقول: لابد أن يقع صيام كفارة اليمين متتابعًا، ولا يفصل إلا لعذرٍ حملًا للمطلق على المقيد.
ومنها: صدقة الفطر عن الرقيق، فإنها وردت مطلقة في حديث ابن عمر، ووردت مقيدة بالمسلمين في بعض الروايات الصحيحة، فيحمل المطلق على المقيد للاتفاق في السبب والحكم، فنقول: إنما تجب صدقة الفطر على الرقيق المسلمين دون الكافرين لهذا القيد، ولأنها طهرة للصائم من اللغو والرفث والكافر لا طهرة له إلا بالإسلام.
ومنها: أحاديث جر الثوب، فإنها وردت مطلقة ومقيدة، فوردت مطلقة في قوله (:(( ثلاثة لا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم المسبل إزاره ) )الحديث، وفي قوله: (( ما أسفل الكعبين من الإزار ففي النار ) )، وورد مقيدًا بالخيلاء في قوله (:(( من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة ) )وقال لأبي بكرٍ (( إنك لست ممن يجره خيلاء ) )وسببهما بيان حكم الإسبال، وحكمهما تحريم الإسبال، فهما إذًا متفقان في الحكم والسبب فيحمل المطلق على المقيد.
فنقول: لا يحرم الإسبال إلا إذا كان من باب الخيلاء والفخر، أما إذا كان لعذرٍ كعيبٍ في القدم ونحو ذلك، ولم يقصد صاحبه الخيلاء فإنه لا بأس به لأن الأحاديث المطلقة في تحريم الإسبال قيدت بالخيلاء فلا يعمل بها في غير المقيد، وإذا نظرت فإن الغالب من يجر ثوبه إنما يجره للزينة والفخر وهذا هو الخيلاء، ولذلك يكثر هذا في أرباب الأموال والمناصب نعوذ بالله من حالهم، فهذه غيض من فيض من أمثلة الحالة الثانية، وهي فيما إذا اتفق المطلق والمقيد في الحكم والسبب، وقلنا إذا اتفق المطلق والمقيد في الحكم والسبب فإن يبنى المطلق على المقيد ولعلها قد اتضحت إن شاء الله تعالى.
الحالة الثالثة: أن يختلفا في الحكم ويتفقا في السبب، أي أن يكون سبب ورودهما واحدًا، لكن حكمهما مختلف ففي هذه الحالة لا يبنى المطلق على المقيد، وقد نقل بعضهم الإجماع على هذا لكنه مدخول لثبوت الخلاف، لكن الصواب هو عدم الحمل في هذه الحالة لاختلاف الحكم في كلٍ منهما، ومثال ذلك: أن الظهار موجب للكفارة وكفارته مرتبة من ثلاثة أشياء، من تحرير رقبةٍ قبل أن يتماسا، فإن لم يجدها، فصيام شهرين متتابعين من قبل أن يتماسا، فإن لم يستطيع فإطعام ستين مسكينًا، فكل هذه الكفارات سببها واحد وهو الظهار فهي متفقة في السبب، إلا أن الحكم في الرقبة والصيام مقيد بأن يكون قبل المسيس، والإطعام مطلق لم يقيد بشيء، فهل يقال إن الإطعام أيضًا يكون قبل المسيس حملًا للمطلق على المقيد أو لا؟
أقول: فيه خلاف بين أهل العلم فالذين يقولون بأن المطلق يحمل على المطلق في هذه الحالة قالوا: يقيد، والذين قالوا لا يحمل قالوا: لا يقيد، وهو الصواب إن شاء الله تعالى لأن الحكم مختلف، والمطلق والمقيد إذا اتفقا في السبب واختلفا في الحكم فإنهما لا يتداخلان، ومثلوا له أيضًا باليد المطلقة في التيمم في قوله: (فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ (فسببه القيام للصلاة مع الحدث، وحكمه وجوب المسح، مع قوله تعالى في الوضوء: (وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ (فسببه أيضًا القيام للصلاة مع الحدث، وحكمه وجوب الغسل، فهما متفقان في السبب إذ سبب كلٍ منهما القيام للصلاة مع الحدث، لكنهما اختلفا في الحكم، فحكم اليد في التيمم المسح وحكمها في الوضوء الغسل والمسح يختلف عن الغسل، فلا يبنى المطلق على المقيد في هذه الحالة وقد قدم ذكر الخلاف في هذه المسألة قبل قليل. ووضع هذا الفرع هنا أصح عندي لأن السبب في الآيتين واحد ليس بمختلف، والله أعلم
ومثلوا له أيضًا بصيام الظهار فإنه يشترط فيه التتابع كما مضى، وأما الإطعام فإنه لم يشترط فيه التتابع وسببهما واحد وهو الظهار، لكن الحكم مختلف فهذا صيام وهذا إطعام، فهل نحمل المطلق على المقيد ونقول كما أن الصيام يشترط فيه التتابع فكذلك الإطعام يشترط التتابع، هل نقول ذلك أو لا؟
الجواب: فيه خلاف ينبني على أن المطلق هل يحمل على المقيد في هذه الحالة أم لا؟ وقد رجحنا أنه لا يحمل في هذه الحالة فحينئذٍ فالصواب أن الإطعام لا يشترط فيه التتابع، وإنما التتابع في الصوم فقط، والله أعلم.
ومثلوا له أيضًا بقوله تعالى في كفارة اليمين: (إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ (فأطلق الكسوة وقيد الإطعام بالوسط، وسببهما واحد وهو اليمين لكن حكمهما مختلف، لأن هذا إطعام وهذا كسوة والإطعام غير الكسوة، فهل يقال يحمل المطلق على المقيد هنا أو لا؟
الجواب: فيه خلاف بين أهل العلم والفصل والراجح أنه لا يبنى لاختلاف الحكم فلا يشترط في الكسوة أن تكون من الوسط بهذا الدليل إلا أنه قد وردت أدلة أخرى تنهى عن إخراج رديء المال فالوسط في الكسوة يستفاد من أدلة أخرى غير حمل المطلق على المقيد، والله أعلم.
وخلاصة هذه الحالة أنه إذا اتفق المطلق والمقيد في السبب لكن اختلفا في الحكم فإنه لا يبنى أحدهما على الآخر، والله أعلم.
الحالة الرابعة: وهي عكس الحالة الثالثة وهي أن يتفقا المطلق مع المقيد في الحكم ويختلفا في السبب، أي يكون حكمهما واحد وسببهما مختلف، فهل يبنى المطلق على المقيد في هذه الحالة أو لا؟
أقول فيه خلاف بين أهل العلم وفي مذهبنا روايتان عن الإمام أحمد: فقيل يحمل المطلق على المقيد وهي الرواية المشهورة، اختارها القاضي أبو يعلى، وهي قول بعض الشافعية والمالكية، وقيل لا يحمل، وهي اختيار أبي إسحاق بن شاقلا، وهو قول أكثر الحنفية والمالكية، وقال به بعض الشافعية، ولكلٍ أدلته، والراجح والله تعالى أعلم أنه في هذه الحالة يحمل المطلق على المقيد قياسًا للاتفاق في الحكم، ولها عندي في ذهني بعض الأمثلة: الأول: قوله تعالى في شهود البيع: (وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ (فأطلق الشهود ولم يشترط فيهم العدالة، وقال في شهود الرجعة (وَأَشْهِدُوا ذَوَى عَدْلٍ مِنْكُمْ (فقيدهم بكونهم عدول، والسبب في الآيتين مختلف، فسبب الأولى البيع والثانية الرجعة، لكن الحكم متفق فحكم كلٍ منهما الأمر بالإشهاد فقد اتفقا في الحكم واختلفا في السبب، وقد رجحنا أنه يحمل المطلق على المقيد فيقال: كما أن شهود الرجعة يشترط فيهم العدالة فكذلك شهود البيع حملًا للمطلق على المقيد ويؤيده قوله تعالى (مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنْ الشُّهَدَاءِ (.
الثاني: قوله تعالى في رقبة كفارة الظهار (فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا (فأطلقها ولم يحددها بشيء لا بإيمانٍ ولا غيره، وقال في رقبة كفارة القتل (فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ (فقيدها بالإيمان، والسبب مختلف فسبب الأولى الظهار وسبب الثانية القتل، لكن الحكم واحد وهو وجوب إعتاق الرقبة في كلٍ، إذًا قد اتفق المطلق والمقيد في الحكم واختلفا في السبب وقد رجحنا أنه يحمل المطلق على المقيد في هذه الحالة قياسًا للاتفاق في الحكم فيقال: كما أن الرقبة في كفارة القتل يشترط فيها الإيمان فكذلك أيضًا الرقبة في كفارة الظهار يشترط فيها الإيمان حملًا للمطلق على المقيد، ويؤيده قوله(((أعتقها فإنها مؤمنة ) )ولأن الكافر حقه أن يبقى في الرق فإنما الرق قام به بسبب كفره بالله تعالى.
فهذه هي حالات المطلق والمقيد، فهي أربع حالات، يبنى فيها المطلق على المقيد في حالتين ولا يبنى في حالتين، وإذا رجعت إلى قاعدة الباب التي نحن بصدد شرحها وجدت فيها ذكر الحالتين التي يبنى فيها المطلق على المقيد فإننا قلنا (يبنى المطلق على المقيد عند الاتفاق في الحكم) أي إن العبرة في البناء هو الاتفاق في الحكم وإذا اتفقا في الحكم فلا يخلو إما أن يتفقا في السبب، وإما أن يختلفا وفي كلتا الحالتين فإنه يبنى المطلق على المقيد، وأما إذا اختلفا في الحكم فلا بناء سواءٌ اختلفا في السبب أو اتفقا فيه، فالسبب في كلا الحالات لا عبرة به، وبالتفصيل مع الاختصار أقول: الحالات أربع:
الأولى: الاتفاق في الحكم والسبب فيبنى المطلق على المقيد اتفاقًا.
الثانية: الاتفاق في الحكم والاختلاف في السبب فيبنى على القول الراجح.
الثالثة: الاختلاف في الحكم والسبب فلا يبنى اتفاقًا.
الرابعة: الاختلاف في الحكم والاتفاق في السبب فلا بناء على القول الراجح. والله أعلم. وهذه هي المسألة الرابعة وهي حالات المطلق مع المقيد.
المسألة الخامسة: إن قلت، فما دليلك على أن المطلق يحمل على المقيد إذا اتفقا في الحكم والسبب أو في الحكم فقط؟ فأقول: قد دَلَّ على ذلك عدة أمور:
فمن ذلك: أن القاعدة تنص على وجوب إعمال الدليلين ما أمكن والقول بحمل المطلق على المقيد فيه إعمال لكلا الدليلين.
ومن ذلك: قياس المطلق مع المقيد على العام مع الخاص، فكما أنه يبنى العام على الخاص فكذلك يبنى المطلق على المقيد.
ومن ذلك: تنزيه الشريعة عن وجود التعارض فإننا لو لم نقل ببناء المطلق على المقيد لأفضى ذلك إلى وجود التعارض في بعض الأحكام والخلاص من ذلك يكون بأمورٍ
منها: بناء المطلق على المقيد، فالقول ببناء المطلق على المقيد أصل من أصول الشريعة في دفع التعارض بين الأدلة.
ومن ذلك: أن الدليل المطلق ساكت عن هذا القيد وسكوته عنه ليس إلغاء له، وقد ثبت بدليل آخر فيجب اعتماده، فهو وإن كان زائدًا على دلالة المطلق لكنه لا يتعارض معها.
ومن ذلك: أن القرآن عربي نزل بالأساليب التي تتعامل بها العرب وزاد عليها، ومن الأساليب العربية أنها تطلق في مكانٍ وتقيد في مكان، فيحمل المطلق على المقيد كما قال قيس بن الحطم:
نحن بما عندنا وأنت بما عندك راض والرأي مختلف
والمراد: نحن بما عندنا راضون، فأطلقها في البيت الأول وقيدها في البيت الثاني، والله تعالى أعلم.
المسألة السادسة: وهي زيادة فروع فقهية على هذه القاعدة غير التي مضت لعلها تزداد وضوحًا على وضوحها فأقول:
من الفروع: قوله تعالى: (وَمَنْ يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ (فهذا فيه بيان حكم الردة وأنها محبطة للعمل بمجردها، فحبوط العمل إذًا بمجرد الردة، لكن ورد ذلك مقيدًا بقيد آخر وهو الموت على الكفر في قوله: (وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ (فاشترط شرطًا زائدًا لحبوط العمل وهو الموت على الردة فيحمل المطلق على المقيد، فنقول: إن مجرد الردة لا يحبط العمل المتقدم إلا إذا مات صاحبه، أما إذا عاد للإيمان فإنه يعود له ما عمله قبل الردة، وينبني على ذلك أن صلاته وحجه وعمرته وصومه وسائر أعماله الصالحة باقية له لا يلزمه إعادتها، مثاب عليها في الآخرة، أما إذا مات وهو مصر على ردته - والعياذ بالله تعالى - فإن كل عمل صالح عمله في وقت إيمانه يحبط ويكون هباءً منثورا.
ومنها: قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ (قال بعض العلماء: يعني إذا أخروا التوبة إلى حضور الموت حملًا لهذه الآية على قوله تعالى: (وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمْ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ (ولعموم الأدلة الدالة على أن من تاب قبل طلوع الشمس من مغربها وغرغرة الروح تاب الله عليه، وأن الله يغفر الذنوب جميعًا، فلذلك حملنا الآية الأولى على ما إذا أخر التوبة إلى حضور الأجل جمعًا بين الأدلة بحمل المطلق على المقيد، والله أعلم.
ومنها: حديث عائشة في الفواسق الخمس التي تقتل في الحل والحرم، فإن فيها"والغراب"هكذا مطلقًا، لكن ورد في نفس الحديث في رواية لمسلم"والغراب الأبقع"فيحمل المطلق على المقيد، ومن ادعى أن رواية الإطلاق أرجح لاتفاق الشيخين عليها فلم يصب، لأنه لا تعارض أصلًا بينهما حتى نرجح، إذ الجمع ممكن يحمل المطلق على المقيد وإذا أمكن الجمع فلا يصار إلى الترجيح، والله أعلم.
ومنها: قضت السنة في المحرم أنه إن لم يجد نعلين فليلبس الخفين، لكن أمر النبي (بلبس الخفين مطلقًا ومقيدًا، فأمر بلبسهما مطلقًا أي من غير قطع في حديث ابن عباسٍ وجابر رضي الله عنهما، وورد لبسهما مقيدًا بالقطع أي بقطعهما حتى يكونا أسفل من الكعبين في حديث ابن عمر، وسببهما واحد وحكمهما واحد، فلا شك في بناء المطلق على المقيد هنا، فنقول: المحرم إذا لم يجد النعلين فله أن يلبس الخفين وليقطعهما حتى يكونا أسفل من الكعبين، وهذا الجمع هو الواجب بين هذه الأحاديث، وهو أصح من مذهب من قال بأن القطع منسوخ لتأخير حديث ابن عباس وجابر وليس فيهما الأمر به، لأننا نقول: قد تقرر في الأصول أنه إذا أمكن الجمع فلا تعارض، وهنا يمكن الجمع بحمل المطلق على المقيد وخصوصًا مع الاتفاق في الحكم والسبب كما هنا، ومجرد تأخر المطلق عن المقيد لا يضر، كما أنه لم يضر تأخر العام على الخاص.
ومنها: ركوب الهدي، فقد ورد جواز ركوبه مطلقًا كما في حديث (( اركبها ) )فقال الرجل إنها هدي، فقال: (( اركبها ) )فهذا فيه جواز ركوب الهدي هكذا مطلقًا، لكن وقع في رواية مسلم أن النبي (قال للرجل:(( اركبها بالمعروف إذا ألجئت إليها حتى تجد ظهرًا ) )فهذا قيد لجواز ركوب الهدي، وهو إذا دعت لركوبه الحاجة والضرورة، فهو قيد لابد من اعتباره، فنقول: يجوز ركوب الهدي إذا دعت له الحاجة والضرورة فحملنا المطلق على المقيد للاتفاق في الحكم والسبب.
وبهذا ينتهي الكلام على هذه القاعدة العظيمة المهمة جدًا، فالذي ينبغي للطالب مراجعتها وإجادة التفريع عليها، وفق الله الجميع لما يحبه ويرضاه، والله أعلم.كتب وليد بن راشد السعيدان - (ج 3 / ص 126) فما بعدها
وانظر كشف الأسرار - (ج 2 / ص 424) وكشف الأسرار - (ج 5 / ص 281) والتقرير والتحبير - (ج 2 / ص 291) وشرح الكوكب المنير - (ج 2 / ص 117) وحاشية العطار على شرح الجلال المحلي على جمع الجوامع - (ج 4 / ص 37) والموافقات في أصول الشريعة - (ج 2 / ص 253) وفواتح الرحموت - (ج 1 / ص 229) والتلخيص في أصول الفقه / لإمام الحرمين - (ج 2 / ص 70) والأصول من علم الأصول - الرقمية - (ج 1 / ص 44) والمدخل إلى مذهب الإمام أحمد - الرقمية - (ج 1 / ص 130)