وَأَبْلَغُ مِنْ هَذَا أَنَّهُ خَطَبَ النَّاسَ فَقَالَ: لَا يَزِيدُ رَجُلٌ عَلَى صَدَاقِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبَنَاتِهِ إلَّا رَدَدْته . فَقَالَتْ امْرَأَةٌ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ لِمَ تَحْرِمُنَا شَيْئًا أَعْطَانَا اللَّهُ إيَّاهُ ؟ ثُمَّ قَرَأَتْ: { وَآتَيْتُمْ إحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا } فَرَجَعَ عُمَرُ إلَى قَوْلِهَا وَقَدْ كَانَ حَافِظًا لِلْآيَةِ وَلَكِنْ نَسِيَهَا (1)
(1) - قلت: قد وردت من طرق مختلفة وجود إسنادها العلامة ابن كثير في تفسيره - (ج 2 / ص 243) وهذه خلاصتها من المقاصد الحسنة للسخاوي - (ج 1 / ص 431) برقم (814 ) و وكشف الخفاء من المحدث - (ج 2 / ص 143) برقم (1958) حديث: كل أحد أعلم أو أفقه من عمر، قاله بعد أن خطب ناهيًا عن المغالاة في صداق النساء، وأن لا يزن على أربعمائة درهم، وقالت له امرأة من قريش: أما سمعت اللَّه تعالى يقول {وآتيتم إحداهن قنطارًا} ، أبو يعلى في مسنده الكبير من طريق مجالد بن سعيد عن الشعبي عن مسروق قال: ركب عمر منبر النبي صلى اللَّه عليه وسلم ثم قال: أيها الناس ما إكثاركم في صداق النساء، وقد كان رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم وأصحابه إنما الصدقات فيما بينهم أربعمائة درهم فما دون ذلك، ولو كان الإكثار في ذلك تقوى عند اللَّه أو مكرمة لم تسبقوهم إليها فلا أعرفن ما زاد رجل في صداق امرأة على أربعمائة، قال: ثم نزل، فاعترضته امرأة من قريش فقالت له: يا أمير المؤمنين، نهيت الناس أن يزيدون النساء في صدقاتهن على أربعمائة درهم؟ قال: نعم، فقالت: أما سمعت ما أنزل اللَّه في القرآن؟ قال: وأي [ص 321] ذلك، فقالت: أما سمعت اللَّه يقول {وآتيتم إحداهن قنطارًا فلا تأخذوا منه شيئًا أتأخذونه بهتانًا وإثمًا مبينًا} قال: فقال: اللَّهم غفرًا كل الناس أفقه من عمر، قال: ثم رجع فركب المنبر فقال: أيها الناس إني كنت نهيت أن تزيدوا النساء في صدقهن على أربعمائة درهم، فمن شاء أن يعطي من ماله ما أحب، قال أبو يعلى: وأظنه قال: فمن طابت نفسه فليفعل، وسنده جيد قوي. وهو عند البيهقي في سننه من هذا الوجه بدون مسروق، ولذا قال عقبه: إنه منقطع، ولفظه: خطب عمر الناس فحمد اللَّه وأثنى عليه وقال: ألا لا تغالوا في صداق النساء فإنه لا يبلغني عن أحد ساق أكثر من شيء ساقه رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم أو سيق إليه إلا جعلت فضل ذلك في بيت المال، ثم نزل فعرضت له امرأة من قريش فقالت: يا أمير المؤمنين أكتاب اللَّه أحق أن يتبع أم قولك، قال: بل كتاب اللَّه فما ذاك قالت: نهيت الناس آنفًا أن يتغالوا في صدق النساء واللَّه يقول في كتابه {وآتيتم إحداهن قنطارًا فلا تأخذوا منه شيئًا} ، فقال: كل أحد أفقه من عمر مرتين أو ثلاثًا، ثم رجع إلى المنبر فقال للناس: إني كنت نهيتكم أن تغالوا في صداق النساء ألا فليفعل رجل في ماله ما بدا له، وأخرجه عبد الرزاق من جهة أبي العجفاء السلمي قال: خطبنا عمر، فذكر نحوه، فقامت امرأة فقالت له: ليس ذلك لك يا عمر إن اللَّه يقول {وآتيتم إحداهن قنطارًا} الآية، فقال: امرأة خاصمت عمر فخصمته، ورواه ابن المنذر من طريق عبد الرزاق أيضًا بزيادة: قنطارًا من ذهب، قال: وكذلك في قراءة ابن مسعود ورواه الزبير بن بكار عن عمه مصعب بن عبد اللَّه عن جده قال: قال عمر: لا تزيدوا في مهر النساء فمن زاد ألقيت الزيادة في بيت المال، وذكر نحوه، بلفظ: فقال عمر: امرأة أصابت ورجل أخطأ، وللبيهقي من حديث بكر قال: قال عمر: لقد خرجت وأنا أريد أن أنهى عن كثرة مهور النساء حتى نزلت هذه الآية {وآتيتم إحداهن قنطارًا} وقال: إنه مرسل جيد
قلت: وأكثر أهل العلم على تضعيف هذه القصة ، ففي إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل - (ج 6 / ص 347) برقم (. 1927 ) - ( قال عمر:"تغالوا في صدقات النساء"رواه أبو داود والنسائي ) . ص 188 صحيح . أخرجه أبو داود ( 2106 ) والنسائي ( 2 / 87 ) والترمذي أيضا ( 1 / 208 ) وصححه وكذا ابن حبان ( 1259 ) والدارمي ( 2 / 141 ) والحاكم ( 2 / 175 ) والبيهقي ( 7 / 234 ) وأحمد ( 1 / 40 و 48 ) والحميدي ( 23 ) والضياء في"الأحاديث المختارة" ( 1 / 107 ) من طرق عن محمد بن سيرين عن أبي العجفاء ( وقال أحمد: سمعه من أبي العجفاء ) قال: خطبنا عمر رحه الله فقال:"ألا لا تغالوا بصدق النساء فإنها لو كانت مكرمة في الدنيا أو تقوى عند الله لكان أولاكم بها النبي صلى الله عليه وسلم ما أصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم امرأة من نسائه ولا أصدقت امرأة من بناته أكثر من ثنتى عشرة أوقية". وقال الحاكم:"صحيح الاسناد وأبو العجفاء السلمي اسمه هرم بن حيان وهو من الثقات". . ووافقه الذهبي ولكنه تعقبه في اسم أبي العجفاء فقال:"قلت: بل هرم بن نسيب". قلت: وقيل في اسمه غير ذلك . وقد وثقه ابن معين والدارقطني وروى عنه جماعة من الثقات فلا يلتفت بعد هذا إلى قول الحافظ فيه:"مقبول". يعني لين الحديث عند التفرد فكيف هذا مع توثيق الامامين المذكورين إياه ؟ ! على أن الحاكم قد ذكر له طريقين آخرين عن عمر نحوه . ( تنبيه ) أما ما شاع على الألسنة من أعتراض المرأة على عمر وقولها:"نهيت الناس آنفا أن يغالوا في صداق النساء والله تعالى يقول في كتابه ( وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا ) ؟ ! فقال عمر رضي الله عنه: كل أحد أفقه من عمر مرتين أو ثلاثا ثم رجع إلى المنبر فقال للناس: إني كنت نهيتكم أن تغالوا في صداق النساء ألا فليفعل رجل في ماله ما بدا له". فهو ضعيف منكر يرويه مجالد عن الشعبي عن عمر . أخرجه البيهقي ( 7 / 233 ) وقال:"هذا منقطع". قلت: ومع انقطاعه ضعيف من أجل مجالد وهو ابن سعيد ليس بالقوي ثم هو منكر المتن فأن الآية لا تنافي توجيه عمر إلى ترك المغالاة في مهور النساء ولا مجال الأن لبيان ذلك فقد كتبت فيه مقالا نشر في مجلة التمدن الاسلامي منذ بضع سنين . ثم وجدت له طريقا أخرى عند عبد الرزاق في"المصنف" ( 6 / 180 / 10420 ) عن قيس بن الربيع عن أبي حصين عن أبي عبد الرحمن السلمي قال: فذكره نحوه مختصرا وزاد في الآية فقال:"قنطارا من ذهب"وقال: ولذلك هي في قراءة عبد الله . قلت: وإسناده ضعيف أيضا فيه علتان: الأولى: الانقطاع فإن أبا عبد الرحمن السلمي واسمه عبد الله بن حبيب بن ربيعة لم يسمع من عمر كما قال ابن معين . الأخرى: سوء حفظ قيس بن الربيع .
وفي فتاوى ورسائل محمد بن إبراهيم آل الشيخ - (ج 10 / ص 133) قال: زيادة اعتراض المرأة على عمر بن الخطاب في الحديث لها طرق لا تخلو من مقال .
(أولها) طريقة أبي يعلى المتقدمة ، وفيها مجالد بن سعيد قال البخاري في التاريخ الصغير كان ابن مهدي لا يروي عنه .اهـ. وفي الميزان قال ابن معين وغيره: لا يحتج به . وقال أحمد: يرفع كثيرًا مما لا يرفعه الناس ، ليس بشيء وقال النسائي: ليس بالقوي. وذكر الأسج: أنه شيعي ، وقال الدارقطني: ضعيف . وقال البخاري: كان يحي بن سعيد يضعفه وكان ابن مهدي لا يروي عنه ، وقال الفلاس سمعت يحي بن سعيد يقول: لو شئت أن يجعلها لي مجالد كلها عن الشعبي عن مسروق عن عبد الله فعل .اهـ. ومن هنا يظهر إشكال جزم بعض أهل العلم بجودة إسناد هذه الرواية.
الثانية: رواية ابن المنذر من طريق قيس بن الربيع ، عن أبي حصين ، عن أبي عبد الرحمن السلمي ، قال: قال عمر بن الخطاب: لا تغالوا في مهور النساء . فقالت امرأة: ليس ذاك لك يا عمر ، إن الله يقول: { وآتيتم إحداهن قنطارًا من ذهب } قال: وكذلك هي في قراءة عبد الله بن مسعود ( فلا يحل لكم أن تأخذوا منه شيئًا) فقال عمر: إن امرأة خاصمت عمر فخصته . وفي إسناد هذه الرواية قيس بن الربيع قال البخاري في التاريخ الصغير: حدثني عمرو بن علي ، قال: كان يحي وعبد الرحمن حدثنا عنه ثم تركه . حدثنا علي ، قال: وكان وكيع يضعف قيسًا . قال أبو داود أيضًا: أتى قيس من ابنه ، وكان ابنه يأخذ أحاديث الناس فيدخلها في فرج كتاب قيس ولا يعرف الشيخ ذلك وذكره البخاري في الضعفاء أيضًا . وقال النسائي في كتاب الضعفاء والمتروكين: قيس بن الربيع متروك الحديث كوفي .
الثالثة: رواية الزبير بن بكار ، حدثني عمي مصعب بن عبد الله ، عن جدي قال: قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: لا تزيدوا في مهور النساء وإن كانت بنت ذي القصة -يعني يزيد بن الحصين الحارثي- فمن زاد ألقيت الزيادة في بيت المال . قال: فقالت امرأة من صفة النساء طويلة في أنفها فطس ما ذاك لك . قال: ولم ؟ قالت: إن الله تعالى قال: { وآتيتم إحداهن قنطارًا } الآية . فقال عمر: امرأة أصابت ، ورجل أخطأ. وهذه الرواية أعلها الحافظ بن كثير في تفسيره بالانقطاع .
الرابعة: رواية اسحاق من طريق عطاء الخراساني عن عمر هذا الحديث بزيادة ، ثم إن عمر خطب أم كلثوم بنت علي وأصدقها بأربعين ألفًا . فهذه الرواية أعلها الحافظ بن حجر العسقلاني في تخريج أحاديث الكشاف بالانقطاع .
هذا وعند البيهقي من طريق حميد عن بكر ما يعارض هذه الروايات بلفظ: قال عمر بن الخطاب: لقد خرجت وأنا أريد أن انهي عن كثرة مهور النساء حتى قرأت هذه الآية: { وآتيتم إحداهن قنطارًا } ففي هذه الرواية لو صحت دلالة على أن عمر هو الذي فهم من الآية جواز الكثرة ، لكنها مرسلة كما في سنن البيهقي . كما أن عبد الرزاق في مصنفه رواية تعارض رواية اعتراض المرأة بالآية وقبول عمر كلامها ، فقد روى عبد الرزاق عن عبد العزيز بن أبي داود ، عن نافع ، قال: قال عمر بن الخطاب لا تغالوا في مهور النساء ، فلو كان تقوى الله كان أولاكم به بنات رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ما نكح ولا أنكح إلا على اثنتي عشرة أوقية . قال نافع: فكان عمر يقول: مهور النساء لا يزدن على أربع مائة درهم ، إلا فيما تراضوا عليه فيما دون ذلك ، قال نافع: فكان عمر يقول: مهور النساء لا يزدن على أربع مائة درهم ، إلا فيما تراضوا عليه فيما دون ذلك قال نافع وزوج رجل من لده ابنة له على ستمائة درهم . قال: ولو علم بذلك نكله . قال: وكان إذا نهى عن الشيء قال لأهله إني قد نهيت عن كذا وكذا ، والناس ينظرون إليكم كما ينظر الحدا إلى اللحم فإياكم وإياه . هذا لفظ عبد الرزاق ، فذكر نافع في هذه الرواية أن عمر بن الخطاب لو اطلع على تزوج ولد ابنته بستمائة درهم لنكله مما يشكك في قضية المرأة . ولما ذكرنا تركها أصحاب السنن الأربعة كثير من أئمة الحديث الذين رووا نهي عمر عن المغالاة بالصداق ، واقتصروا على استدلال عمر بصداق النبي صلى الله عليه وسلم ، وفي رواية بعضهم بدل اعتراض المرأة زيادة: وإن الرجل ليغلي بصداق امرأته حتى يكون لها عداوة في قلبه ، وحتى يقول: كلفت لكم علق القربة .
وقد نص أبو بكر بن العربي في (أحكام القرآن) على أن الرواية المشهورة عن عمر هي التي لم تتعرض لقضية المرأة .
يضاف إلى هذا كله أن الحديث عند أصحاب السنن الذين تركوا زيادة اعتراض المرأة من طريق أبي الجعفاء هرم بن نسيب ، وهو وإن كان قد وثقه بعض الحفاظ فقد قال أبو أحمد الحاكم ليس حديثه بالقائم ، وقال البخاري: في حديثه نظر . وبهذا تعقب المنذري في مختصر السنن سكوت أبي داود عنه . وعبارة البخاري في (التاريخ الصغير) قال: سلمة بن علقمة ، عن ابن سيرين فثبت عن ابي الجعفاء ، عن عمر في الصداق قال هشام عن ابن سيرين: حدثنا أبو الجعفاء ، وقال بعضهم عن ابن سيرين عن أبي الجعفاء عن أبيه في حديثه نظر . هذا نص البخاري في تاريخه الصغير . وللحديث بلفظ أصحاب السنن عند أبي نعيم في (الحلية) إسناد آخر فإنه رواه في ترجمة شريح من طريق القاسم بن مالك ، عن أشعث بن سوار ، عن الشعبي عن شريح ، قال: قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه فذكره ، وهذا الاسناد قال أبو نعيم فيه: غريب من حديث الشعبي عن شريح والمشهور من حديث ابن سيرين عن أبي الجعفاء عن عمر تفرد به القاسم بن مالك المزني ، عن أشعث .والله أعلم . وصلى الله على محمد وآله وسحبه وسلم .
وعلى فرض صحة القصة فهذا توجهها:
من خلال هذا العرض السريع لمجريات هذه الواقعة كما وردت في الطرق المختلفة يتضح أن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- فعل الواجب في هذه المسألة، حيث رجع إلى الحق لما بُيِّن له، ولم يمتنع من ذلك لمنصبه ومكانه بين الصحابة - رضي الله عنهم- لأنه كان يبحث عن الحق، وهو هنا لم يرجع إلى مجرد قول المرأة، لأنه لا حجة في قولها ولا في قول غيرها من الناس، وإنما رجع إلى الآية التي ذكرتها المرأة.
ثانيًا: الواجب على الإنسان عمومًا أن يكون باحثًا عن الحق متلمسًا له في كل أحواله، وإذا قال شيئًا أو حكم بشيء ثم تبين له أن الحق بخلافه فإن الواجب عليه الرجوع إلى الحق ولا غضاضة في ذلك، وهو خير من التمادي في الباطل، قال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه- في كتابه إلى أبي موسى الأشعري - رضي الله عنه-"والرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل"، وذلك بغض النظر عمّن أرشدك إليه سواء أكان امرأة أو رجلًا عالمًا أو عاميًا، صغيرًا أو كبيرًا، لأن الحكمة والحق ضالة المؤمن بغض النظر عن قائلها، ولذلك قال النبي -صلى الله عليه وسلم- لأبي هريرة -رضي الله عنه-:"صدقك وهو كذوب"يعني: إبليس لما ذكر لأبي هريرة - رضي الله عنه- فضل آية الكرسي، والحديث رواه البخاري (3275) من حديث أبي سعيد - رضي الله عنه -.
ثالثًا: هذه القصة الواردة عن عمر - رضي الله عنه- تعد قاعدة من قواعد الإفتاء والاجتهاد، والعلماء متفقون على مضمونها، ولم يقل أحد من أهل العلم بأن الإنسان يجوز له البقاء على قوله مع تبين خطئه ومجانبته للصواب، لكن العالم إذا اجتهد في أي مسألة من المسائل وتبين له الحق فيها وجب عليه العمل بما ظهر له من الحق وإفتاء من سأله عن حسب ما يراه حقًا في المسألة، ولا يرجع عما توصل إليه لقول أي إنسان كائنًا من كان، ولكن إذا تبين له دليل يخالف ما توصل إليه سواء أذكره هو أم ذكره غيره به وجب عليه العمل بما يقتضيه هذا الدليل.
رابعًا: ينقسم الناس بحسب علمهم بالأدلة الشرعية إلى قسمين: علماء، وعامة؛ فالعلماء: هم أهل النظر في الأدلة الشرعية واستنباط ما اشتملت عليه من الأحكام، وهم الذين يجوز لهم مناقشة بعضهم البعض فيما ذهب إليه كل منهم في المسائل المختلف فيها، ولا يلزم أحد بما ذهب إليه غيره من العلماء، بل الواجب على كل منهم العمل بما أداه إليه اجتهاده.
أما العامة: فالواجب عليهم سؤال العلماء فيما يعرض لهم من أمور دينهم امتثالًا لقوله تعالى:"فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون" [النحل:43] ، وليس من شأن العامي رد فتاوى أهل العلم أو عدم الأخذ بها أو تخير ما شاء منها، لأنه إن فعل ذلك فإنه لا يفعله عن علم ومعرفة، وإنما منطلقه في ذلك الهوى والتشهي، كما أنه لا يجوز للعامي أن يترك الأخذ بفتاوى أهل العلم بحجة أنهم ربما يكونوا مخطئين، لأننا لو أجزنا له ذلك لبقي العامي بغير تكليف، لأن كثيرًا من المسائل اجتهادية والعلماء مختلفون فيها واحتمال الخطأ قائم في حق كل فريق، وإنما الواجب على العامي أن يقلّد العلماء المشهود لهم بالعلم والتقوى، ولا يتجاوز أقوالهم إلا إذا تبين له خطؤها بدليل صحيح واضح، وإذا كان ليس من حق العامي رد كلام العلماء، فإن من حقه أن يسأل العالم عن دليل المسألة ومستندها الذي اعتمده العالم في فتواه، لأن العامي ليس متعبدًا باتباع أشخاص العلماء، وإنما هو متعبد باتباع الأدلة التي يعرفها العلماء ويبينونها للعامة.
والله الموفق، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.فتاوى واستشارات الإسلام اليوم - (ج 4 / ص 492)