وَهَذَا أَيْضًا كَثِيرٌ جِدًّا. وَهُوَ فِي التَّابِعِينَ وَتَابِعِيهِمْ إلَى الْأَئِمَّةِ الْمَشْهُورِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ أَكْثَرُ مِنْ الْعَصْرِ الْأَوَّلِ أَوْ كَثِيرٌ مِنْ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ،فَإِنَّ الْأَحَادِيثَ كَانَتْ قَدْ انْتَشَرَتْ وَاشْتَهَرَتْ لَكِنْ كَانَتْ تَبْلُغُ كَثِيرًا مِنْ الْعُلَمَاءِ مِنْ طُرُقٍ ضَعِيفَةٍ، وَقَدْ بَلَغَتْ غَيْرَهُمْ مِنْ طُرُقٍ صَحِيحَةٍ غَيْرِ تِلْكَ الطُّرُقِ فَتَكُونُ حُجَّةً مِنْ هَذَا الْوَجْهِ مَعَ أَنَّهَا لَمْ تَبْلُغْ مَنْ خَالَفَهَا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ وَلِهَذَا وُجِدَ فِي كَلَامِ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ الْأَئِمَّةِ تَعْلِيقُ الْقَوْلِ بِمُوجِبِ الْحَدِيثِ عَلَى صِحَّتِهِ فَيَقُولُ: قَوْلِي فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ كَذَا وَقَدْ رُوِيَ فِيهَا حَدِيثٌ بِكَذَا؛ فَإِنْ كَانَ صَحِيحًا فَهُوَ قَوْلِي (1)
(1) - مثاله حديث في السنن الكبرى للبيهقي وفي ذيله الجوهر النقي - (ج 8 / ص 111) برقم (16837) عَنْ حَنَشِ بْنِ الْمُعْتَمِرِ الْكِنَانِىِّ عَنْ عَلِىٍّ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: بَعَثَنِى رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- إِلَى الْيَمَنِ فَذَكَرَ هَذِهِ الْقِصَّةَ ثُمَّ قَالَ قَالَ عَلِىٌّ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ: اجْمَعُوا فِى الْقَبَائِلِ الَّذِينَ حَضَرُوا رُبُعَ الدِّيَةِ وَثُلُثَ الدِّيَةِ وَنِصْفَ الدِّيَةِ وَالدِّيَةَ كَامِلَةً فَلِلأَوَّلِ الرُّبُعُ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ أَهْلَكَ مَنْ يَلِيهِ وَالثَّانِى ثُلُثُ الدِّيَةِ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ أَهْلَكَ مَنْ فَوْقَهُ وَالثَّالِثِ نِصْفُ الدِّيَةِ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ أَهْلَكَ مَنْ فَوْقَهُ وَالرَّابِعِ الدِّيَةُ كَامِلَةً فَزَعَمَ حَنَشٌ أَنَّ بَعْضَ الْقَوْمِ كَرِهَ ذَلِكَ حَتَّى أَتَوُا النَّبِىَّ -صلى الله عليه وسلم- فَلَقُوهُ عِنْدَ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ فَقَصُّوا عَلَيْهِ الْقِصَّةَ فَاحْتَبَى بُرْدَهُ ثُمَّ قَالَ أَنَا أَقْضِى بَيْنَكُمْ فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: إِنَّ عَلِيًّا قَضَى بَيْنَنَا فَقَصُّوا عَلَيْهِ الْقِصَّةَ فَأَجَازَهُ. فَهَذَا الْحَدِيثُ قَدْ أُرْسِلَ آخِرُهُ. {ج} وَحَنَشُ بْنُ الْمُعْتَمِرِ غَيْرُ مُحْتَجٍّ بِهِ قَالَ الْبُخَارِىُّ: حَنَشُ بْنُ الْمُعْتَمِرِ قَالَ وَقَالَ بَعْضُهُمُ ابْنُ رَبِيعَةَ يَتَكَلَّمُونَ فِى حَدِيثِهِ أَخْبَرَنَا أَبُو سَعْدٍ الْمَالِينِىُّ أَخْبَرَنَا أَبُو أَحْمَدَ بْنُ عَدِىٍّ قَالَ سَمِعْتُ ابْنَ حَمَّادٍ يَذْكُرُهُ عَنِ الْبُخَارِىِّ. {ق} وَأَصْحَابُنَا يَقُولُونَ الْقِيَاسُ أَنْ يَكُونَ فِى الأَوَّلِ ثُلُثَا الدِّيَةِ ثُلُثُهَا عَلَى عَاقِلَةِ الثَّانِى وَثُلُثُهَا عَلَى عَاقِلَةِ الثَّالِثِ لأَنَّهُ مَاتَ مِنْ فِعْلِ نَفْسِهِ وَفِعْلِ اثْنَيْنِ فَسَقَطَ ثُلُثُ الدِّيَةِ لِفِعْلِ نَفْسِهِ وَوَجَبَ الثُّلُثَانِ وَفِى الثَّانِى ثُلُثَا الدِّيَةِ ثُلُثُهَا عَلَى عَاقِلَةِ الأَوَّلِ وَثُلُثُهَا عَلَى عَاقِلَةِ الثَّالِثِ وَفِى الثَّالِثِ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا نِصْفُ الدِّيَةِ عَلَى عَاقِلَةِ الثَّانِى وَالآخَرُ ثُلُثَا الدِّيَةِ عَلَى عَاقِلَةِ الأَوَّلِ وَالثَّانِى وَفِى الرَّابِعِ جَمِيعُ الدِّيَةِ عَلَى عَاقِلَةِ الثَّالِثِ وَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ أَنَّهَا عَلَى عَاقِلَةِ الأَوَّلِ وَالثَّانِى وَالثَّالِثِ فَإِنْ صَحَّ الْحَدِيثُ تُرِكَ لَهُ الْقِيَاسُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قال الشوكاني في السيل الجرار المتدفق على حدائق الأزهار - الرقمية - (ج 1 / ص 891) :قال ابن حجر في التلخيص قال البزار لا نعلمه يروى إلا عن علي ولا نعلم له إلا هذا الطريق وحنش ضعيف انتهى قلت ليس فيه من الجرح ما يوجب عدم الاعتبار بحديثه فإن غاية ما قيل فيه ما قاله البخاري إنهم يتكلمون فيه وما قاله النسائي إنهم يتكلمون فيه وهذا لا يوجب جرحا يوجب ترك العمل بالحديث وتأثير الرأي عليه مع أن أبا داود وثقه وبين ابن حجر في التقريب وجه الجرح فقال صدوق له أوهام ويرسل انتهى وهذا القدح ليس بشيء فالوهم في أحاديثه قد بينه الحفاظ وكذلك الإرسال فلم يبق في بقية أحاديثه علة قادحة
وقال العلامة ابن القيم تعليقا على الحديث:إعلام الموقعين عن رب العالمين - (ج 2 / ص 102)
وَالصَّوَابُ أَنَّهُ مُقْتَضَى الْقِيَاسِ وَالْعَدْلِ، وَهَذَا يَتَبَيَّنُ بِأَصْلٍ، وَهُوَ أَنَّ الْجِنَايَةَ إذَا حَصَلَتْ مِنْ فِعْلٍ مَضْمُونٍ وَمُهْدَرٍ سَقَطَ مَا يُقَابِلُ الْمُهْدَرَ وَاعْتُبِرَ مَا يُقَابِلُ الْمَضْمُونَ، كَمَا لَوْ قَتَلَ عَبْدًا مُشْتَرَكًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ، أَوْ أَتْلَفَ مَالًا مُشْتَرَكًا أَوْ حَيَوَانًا سَقَطَ مَا يُقَابِلُ حَقَّهُ وَوَجَبَ عَلَيْهِ مَا يُقَابِلُ حَقَّ شَرِيكِهِ، وَكَذَلِكَ لَوْ اشْتَرَكَ اثْنَانِ فِي إتْلَافِ مَالِ أَحَدِهِمَا أَوْ قَتْلِ عَبْدِهِ أَوْ حَيَوَانِهِ سَقَطَ عَنْ الْمُشَارِكِ مَا يُقَابِلُ فِعْلَهُ، وَوَجَبَ عَلَى الْآخَرِ مِنْ الضَّمَانِ بِقِسْطِهِ، وَكَذَلِكَ لَوْ اشْتَرَكَ هُوَ وَأَجْنَبِيٌّ فِي قَتْلِ نَفْسِهِ كَانَ عَلَى الْأَجْنَبِيِّ نِصْفُ الضَّمَانِ وَكَذَلِكَ لَوْ رَمَى ثَلَاثَةٌ بِالْمَنْجَنِيقِ فَأَصَابَ الْحَجَرُ أَحَدَهُمْ فَقَتَلَهُ فَالصَّحِيحُ أَنَّ مَا قَابَلَ فِعْلَ الْمَقْتُولِ سَاقِطٌ وَيَجِبُ ثُلُثَا دِيَتِهِ عَلَى عَاقِلَةِ الْآخَرِينَ، هَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَاخْتِيَارُ صَاحِبِ الْمُغْنِي وَالْقَاضِي أَبِي يَعْلَى فِي الْمُجَرَّدِ، وَهُوَ الَّذِي قَضَى بِهِ عَلِيٌّ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي مَسْأَلَةِ الْقَارِصَةِ وَالْوَاقِصَةِ، قَالَ الشَّعْبِيُّ: وَذَلِكَ أَنَّ ثَلَاثَ جَوَارٍ اجْتَمَعْنَ فَرَكِبَتْ إحْدَاهُنَّ عَلَى عُنُقِ الْأُخْرَى فَقَرَصَتْ الثَّالِثَةُ الْمَرْكُوبَةَ فَقَمَصَتْ فَسَقَطَتْ الرَّاكِبَةُ فَوَقَصَتْ أَيْ كَسَرَتْ عُنُقَهَا فَمَاتَتْ، فَرُفِعَ ذَلِكَ إلَى عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَقَضَى بِالدِّيَةِ أَثْلَاثًا عَلَى عَوَاقِلِهِنَّ، وَأَلْغَى الثُّلُثَ الَّذِي قَابَلَ فِعْلَ الْوَاقِصَةِ؛ لِأَنَّهَا أَعَانَتْ عَلَى قَتْلِ نَفْسِهَا.
وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا فَلَوْ مَاتُوا بِسُقُوطِ بَعْضِهِمْ فَوْقَ بَعْضٍ كَانَ الْأَوَّلُ قَدْ هَلَكَ بِسَبَبٍ مَرْكَبٍ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْيَاءَ: سُقُوطُهُ، وَسُقُوطُ الثَّانِي، وَالثَّالِثُ، وَالرَّابِعُ.
وَسُقُوطُ الثَّلَاثَةِ فَوْقَهُ مِنْ فِعْلِهِ وَجِنَايَتِهِ عَلَى نَفْسِهِ، فَسَقَطَ مَا يُقَابِلُهُ وَهُوَ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ الدِّيَةِ، وَبَقِيَ الرُّبُعُ الْآخَرُ لَمْ يَتَوَلَّدْ مِنْ فِعْلِهِ وَإِنَّمَا تَوَلَّدَ مِنْ التَّزَاحُمِ فَلَمْ يُهْدَرْ؛ وَأَمَّا الثَّانِي فَلِأَنَّ هَلَاكَهُ كَانَ مِنْ ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ: جَذْبُ مَنْ قَبْلَهُ لَهُ، وَجَذْبُهُ هُوَ لِثَالِثٍ، وَرَابِعٍ؛ فَسَقَطَ مَا يُقَابِلُ جَذْبُهُ وَهُوَ ثُلُثَا الدِّيَةِ، وَاعْتُبِرَ مَا لَا صُنْعَ لَهُ فِيهِ، وَهُوَ الثُّلُثُ الْبَاقِي؛ وَأَمَّا الثَّالِثُ فَحَصَلَ تَلَفُهُ بِشَيْئَيْنِ: جَذْبُ مَنْ قَبْلَهُ لَهُ، وَجَذْبُهُ هُوَ لِلرَّابِعِ، فَسَقَطَ فِعْلُهُ دُونَ السَّبَبِ الْآخَرِ؛ فَكَانَ لِوَرَثَتِهِ النِّصْفُ، وَأَمَّا الرَّابِعُ فَلَيْسَ مِنْهُ فِعْلٌ أَلْبَتَّةَ، وَإِنَّمَا هُوَ مَجْذُوبٌ مَحْضٌ، فَكَانَ لِوَرَثَتِهِ كَمَالُ الدِّيَةِ، وَقَضَى بِهَا عَلَى عَوَاقِلِ الَّذِينَ حَضَرُوا الْبِئْرَ لِتَدَافُعِهِمْ وَتَزَاحُمِهِمْ.
فَإِنْ قِيلَ: عَلَى هَذَا سُؤَالَانِ: أَحَدُهُمَا أَنَّكُمْ لَمْ تُوجِبُوا عَلَى عَاقِلَةِ الْجَاذِبِ شَيْئًا مَعَ أَنَّهُ مُبَاشِرٌ، وَأَوْجَبْتُمْ عَلَى عَاقِلَةِ مَنْ حَضَرَ الْبِئْرَ وَلَمْ يُبَاشِرْ، وَهَذَا خِلَافُ الْقِيَاسِ، الثَّانِي: أَنَّ هَذَا هَبْ أَنَّهُ يَتَأَتَّى لَكُمْ فِيمَا إذَا مَاتُوا بِسُقُوطِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ، فَكَيْفَ يَتَأَتَّى لَكُمْ فِي مَسْأَلَةِ الزُّبْيَةِ، وَإِنَّمَا مَاتُوا بِقَتْلِ الْأَسَدِ؟ فَهُوَ كَمَا لَوْ تَجَاذَبُوا فَغَرِقُوا فِي الْبِئْرِ.
قِيلَ: هَذَانِ سُؤَالَانِ قَوِيَّانِ؛ وَجَوَابُ الْأَوَّلِ أَنَّ الْجَاذِبَ لَمْ يُبَاشِرْ الْإِهْلَاكَ وَإِنَّمَا تَسَبَّبَ إلَيْهِ، وَالْحَاضِرُونَ تَسَبَّبُوا بِالتَّزَاحُمِ، وَكَانَ تَسَبُّبُهُمْ أَقْوَى مِنْ تَسَبُّبِ الْجَاذِبِ؛ لِأَنَّهُ أُلْجِئَ إلَى الْجَذْبِ؛ فَهُوَ كَمَا لَوْ أَلْقَى إنْسَانٌ إنْسَانًا عَلَى آخَرَ فَنَفَضَهُ عَنْهُ لِئَلَّا يَقْتُلَهُ فَمَاتَ فَالْقَاتِلُ هُوَ الْمُلْقِي.
وَأَمَّا السُّؤَالُ الثَّانِي فَجَوَابُهُ أَنَّ الْمُبَاشِرَ لِلتَّلَفِ كَالْأَسَدِ وَالْمَاءِ وَالنَّارِ، لَمَّا لَمْ يُمْكِنْ الْإِحَالَةُ عَلَيْهِ أَلْغَى فِعْلَهُ، وَصَارَ الْحُكْمُ لِلسَّبَبِ؛ فَفِي مَسْأَلَةِ الزُّبْيَةِ لَيْسَ لِلرَّابِعِ فِعْلٌ أَلْبَتَّةَ، وَإِنَّمَا هُوَ مَفْعُولٌ بِهِ مَحْضٌ.
فَلَهُ كَمَالُ الدِّيَةِ، وَالثَّالِثُ فَاعِلٌ وَمَفْعُولٌ بِهِ فَأَلْغَى مَا يُقَابِلُ فِعْلَهُ وَاعْتَبَرَ فِعْلَ الْغَيْرِ بِهِ، فَكَانَ قِسْطُهُ نِصْفَ الدِّيَةِ، وَالثَّانِي كَذَلِكَ إلَّا أَنَّهُ جَاذِبٌ لِوَاحِدٍ وَالْمَجْذُوبُ جَاذِبٌ لِآخَرَ؛ فَكَانَ الَّذِي حَصَلَ عَلَيْهِ مِنْ تَأْثِيرِ الْغَيْرِ فِيهِ ثُلُثُ السَّبَبِ لِجَذْبِ الْأَوَّلِ لَهُ فَلَهُ ثُلُثُ الدِّيَةِ، وَأَمَّا الْأَوَّلُ فَثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ السَّبَبِ مِنْ فِعْلِهِ، وَهُوَ سُقُوطُ الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ سَقَطُوا بِجَذْبِهِ مُبَاشَرَةً وَتَسَبُّبًا، وَرُبُعُهُ مِنْ وُقُوعِهِ بِتَزَاحُمِ الْحَاضِرِينَ، فَكَانَ حَظُّهُ رُبُعَ الدِّيَةِ، وَهَذَا أَوْلَى مِنْ تَحْمِيلِ عَاقِلَةِ الْقَتِيلِ مَا يُقَابِلُ فِعْلَهُ، وَيَكُونُ لِوَرَثَتِهِ، وَهَذَا هُوَ خِلَافُ الْقِيَاسِ؛ لِأَنَّ الدِّيَةَ شُرِعَتْ مُوَاسَاةً وَجَبْرًا، فَإِذَا كَانَ الرَّجُلُ هُوَ الْقَاتِلَ لِنَفْسِهِ أَوْ مُشَارِكًا فِي قَتْلِهِ لَمْ يَكُنْ فِعْلُهُ بِنَفْسِهِ مَضْمُونًا كَمَا لَوْ قَطَعَ طَرَفَ نَفْسِهِ أَوْ أَتْلَفَ مَالَ نَفْسِهِ؛ فَقَضَاءُ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَقْرَبُ إلَى الْقِيَاسِ مِنْ هَذَا بِكَثِيرٍ، وَهُوَ أَوْلَى أَيْضًا مِنْ أَنْ يُحْمَلَ فِعْلُ الْمَقْتُولِ عَلَى عَوَاقِلِ الْآخَرِينَ كَمَا قَالَهُ أَبُو الْخَطَّابِ فِي مَسْأَلَةِ الْمَنْجَنِيقِ أَنَّهُ يُلْغِي فِعْلَ الْمَقْتُولِ فِي نَفْسِهِ وَتَجِبُ دِيَتُهُ بِكَمَالِهَا عَلَى عَاقِلَةِ الْآخَرِينَ نِصْفَيْنِ، وَهَذَا أَبْعَدُ عَنْ الْقِيَاسِ مِمَّا قَبْلَهُ؛ إذْ كَيْفَ تَتَحَمَّلُ الْعَاقِلَةُ وَالْأَجَانِبُ جِنَايَةَ الْإِنْسَانِ عَلَى نَفْسِهِ، وَلَوْ تَحَمَّلَتْهَا الْعَاقِلَةُ لَكَانَتْ عَاقِلَتُهُ أَوْلَى بِتَحَمُّلِهَا، وَكِلَا الْقَوْلَيْنِ يُخَالِفُ الْقِيَاسَ؛ فَالصَّوَابُ مَا قَضَى بِهِ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
وَهُوَ أَيْضًا أَحْسَنُ مِنْ تَحْمِيلِ دِيَةِ الرَّابِعِ لِعَاقِلَةِ الثَّالِثِ، وَتَحْمِيلِ دِيَةِ الثَّالِثِ لِعَاقِلَةِ الثَّانِي، وَتَحْمِيلِ دِيَةِ الثَّانِي لِعَاقِلَةِ الْأَوَّلِ، وَإِهْدَارُ دِيَةِ الْأَوَّلِ بِالْكُلِّيَّةِ؛ فَإِنَّ هَذَا الْقَوْلَ وَإِنْ كَانَ لَهُ حَظٌّ مِنْ الْقِيَاسِ فَإِنَّ الْأَوَّلَ لَمْ يَجْنِ عَلَيْهِ أَحَدٌ، وَهُوَ الْجَانِي عَلَى الثَّانِي فَدِيَتُهُ عَلَى عَاقِلَتِهِ، وَالثَّانِي عَلَى الثَّالِثِ، وَالثَّالِثُ عَلَى الرَّابِعِ، وَالرَّابِعُ لَمْ يَجْنِ عَلَى أَحَدٍ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ؛ فَهَذَا قَدْ تَوَهَّمَ أَنَّهُ فِي ظَاهِرِ الْقِيَاسِ أَصَحُّ مِنْ قَضَاءِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ وَلِهَذَا ذَهَبَ إلَيْهِ كَثِيرٌ مِنْ الْفُقَهَاءِ مِنْ أَصْحَابِ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِمْ، إلَّا أَنَّ مَا قَضَى بِهِ عَلِيٌّ أَفْقَهُ؛ فَإِنَّ الْحَاضِرِينَ أَلْجَئُوا الْوَاقِفِينَ بِمُزَاحَمَتِهِمْ لَهُمْ فَعَوَاقِلُهُمْ أَوْلَى بِحَمْلِ الدِّيَةِ مِنْ عَوَاقِلِ الْهَالِكِينَ، وَأَقْرَبُ إلَى الْعَدْلِ مِنْ أَنْ يَجْمَعَ عَلَيْهِمْ بَيْنَ هَلَاكِ أَوْلِيَائِهِمْ وَحَمْلِ دِيَاتِهِمْ، فَتَتَضَاعَفُ عَلَيْهِمْ الْمُصِيبَةُ، وَيُكْسَرُوا مِنْ حَيْثُ يَنْبَغِي جَبْرُهُمْ، وَمَحَاسِنُ الشَّرِيعَةِ تَأْبَى ذَلِكَ، وَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ لِكُلِّ مُصَابٍ حَظًّا مِنْ الْجَبْرِ، وَهَذَا أَصْلُ شَرْعِ حَمْلِ الْعَاقِلَةِ الدِّيَةَ جَبْرًا لِلْمُصَابِ وَإِعَانَةً لَهُ.
وَأَيْضًا فَالثَّانِي وَالثَّالِثُ كَمَا هُمَا مَجْنِيٌّ عَلَيْهِمَا فَهُمَا جَانِيَانِ عَلَى أَنْفُسِهِمَا وَعَلَى مَنْ جَذَبَاهُ، فَحَصَلَ هَلَاكُهُمْ بِفِعْلِ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ، فَأَلْغَى مَا قَابَلَ فِعْلُ كُلِّ وَاحِدٍ بِنَفْسِهِ، وَاعْتَبَرَ جِنَايَةَ الْغَيْرِ عَلَيْهِ.
وَهُوَ أَيْضًا أَحْسَنُ مِنْ تَحْمِيلِ دِيَةِ الرَّابِعِ لِعَوَاقِلِ الثَّلَاثَةِ، وَدِيَةِ الثَّالِثِ لِعَاقِلَةِ الثَّانِي وَالْأَوَّلِ، وَدِيَةِ الثَّانِي لِعَاقِلَةِ الْأَوَّلِ خَاصَّةً، وَإِنْ كَانَ لَهُ أَيْضًا حَظٌّ مِنْ قِيَاسٍ تَنْزِيلًا لِسَبَبِ السَّبَبِ مَنْزِلَةِ السَّبَبِ، وَقَدْ اشْتَرَكَ فِي هَلَاكِ الرَّابِعِ الثَّلَاثَةُ الَّذِينَ قَبْلَهُ، وَفِي هَلَاكِ الثَّالِثِ الِاثْنَانِ، وَانْفَرَدَ بِهَلَاكِ الثَّانِي الْأَوَّلُ، وَلَكِنَّ قَوْلَ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَدَقُّ وَأَفْقَهُ.